فهرس الكتاب

الصفحة 8047 من 9994

يا كل مسلم ومسلمة: إن مستنقع الانحلال الأخلاقي الذي يراد أن نساق لخوضه قد خاضته أمم غيرنا، فكشفت المرأة وجهها، وزاحمت الرجال وقل حياؤها، وقادت السيارة وأصبحت مضيفة وطيارة، وشاركت الرجال في الوظائف والأعمال.

فماذا كانت النتيجة ؟ لقد فقدت المرأة السعادة التي كان يلوح لها أنصارها بسعادة التحرر والتطور، ليس فقط سعادتها بل فقدت وجودها كامرأة ذات قيمة في المجتمع ووزن فيه، لقد قبضت فيما مضى على دينها فقبض الله عنها السوء، وبسط لها الحلال حتى لم تكن تينع الثمرة في بيت أبيها إلا وتمتد يد الحلال لتقطفها، فلا تفتح عينها إلا على حليلها.

ولكنها وقد ابتذلت وأهينت على يد أصدقائها وأنصارها الزائفين، كان أول من زهد فيها أنصارها المخادعون، ولم تعد كما كانت تتمتع باحترام الآباء والأزواج.

ولم تعد تحاط بهالة من التقدير والتعظيم، وإنما أصبحت في نظر الجميع أشبه بمحترفة تطلب العيش وتقرع كل باب للعمل لعلها تحصل على وظيفة.

وهذا هو المنحدر الفظيع والهاوية السحيقة، والمصير الأسود القاتم الذي انتهت إليه المرأة في كثير من بلاد المسلمين.

والآن وقد خلعت المرأة حجابها، وغادرت حصنها، وعصت ربها، فهل جنينا حقا التقدم والحضارة والرخاء.

إننا لن نطيل في وصف الهاوية التي تردت إليها المرأة المتحررة بفضل أنصارها الموتورين؛ لأن الواقع حولنا يكفينا مؤونة هذه الإطالة، إنه حقا واقع مرير تستطيع أن تدرك عواقبه وآثاره حيثما وقعت عينك في كل بيت، في كل طريق، وفي كل وظيفة، فلماذا لا نأخذ العبرة ؟ ولماذا نخضع لدعوات لتكرار المأساة ؟

لقد أطلقتها صحفية أمريكية دعوة للمسلمين قائلة: امنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوربا وأمريكا، إن الاختلاط والإباحية والحرية قد هددت الأسرة وزلزلت القيم والأخلاق.

وهذه مسلمة ألمانية تقول: كم يؤلمني أن أرى أخواتي وإخواني المسلمين يركضون إلى المكان الذي هربت منه، بعد أن كاد أن يقتلني ويخنقني، ورغم أني من تلك البلاد فلن أعود إليها حتى أعي ديني جيدا، فالدنيا دون إسلام جحيم دائم .

وهذه كاتبة انجليزية مشهورة تعلن قائلة: إذا اشتغلت بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم فهو خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، يا ليت بلادنا كبلاد المسلمين، حيث فيها الحشمة والعفاف والطهر، حيث المرأة تنعم بأرغد عيش وبصيانة العرض والشرف.

هذه شهادتهن من واقع التجربة، وإن في حقائق الإسلام لذكرى لقوم يوقنون.

إن على المرأة المسلمة: أن تستعلي على هذه المؤامرة الرهيبة، وأن تدرك الثمن الكبير الذي تدفعه هي وأمتها إن استجابت لذلك السعار المجنون، الذي تغذيه أيد صليبية وأخرى يهودية، ويقوم بالدعوة إليه أنذال من بلاد مسلمة، وإن عليها أن تتسلح بالعقيدة الراسخة والأخلاق القويمة والوعي الكبير.

لا يخدعنك أختي المسلمة هؤلاء المتآمرون، ولا يصرفنك عن الحق أولئك الكائدون، وضعي نصب عينيك قوله تعالى: (( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ) ) [الروم: 60]

تعرفي وافهمي والواقع المحيط بك كي تدركي ما يحاك ويدبر لك، ولكي تعي الطريقة المثلى للتصدي لأي دعوة تريد زعزعة إيمانك بعقيدتك وسلب شخصيتك الإسلامية.

إن على المرأة المسلمة أن تعطي النموذج الإسلامي المتميز في مجال القدوة، بأن تكون شريفة في أخلاقها، جادة في شخصيتها، متفاعلة مع قضاياها في إطار من الأدب والالتزام الشرعي.

إن حقوق المرأة التي يطالب بها أنصارها من دعاة الإسلام، ليست مجرد خطابة وكتابة ومقابلات وسفرات وحفلات، وإنما حقوق قررها الخالق ورسختها الشريعة، هي حقوق تخرج لنا نساء يبنين الأجيال فيصنعن بهم التاريخ.

إنها حقوق تخرج المرأة التي تشعر بآلام الأمة وأمالها، المرأة التي تدفع من مالها وتنفق مما أعطاها الله.

لا نريد الحقوق الزائفة التي تجعل من المرأة مجرد دمية تقف في المجامع والمحافل، وتظهر على صفحات الصحف متعطرة متزينة، فيشد الحاضرين جمالها، ولا يفقهون مما تقوله شيئا.

لا نريد حقوقاً مستوردة تجعل من المرأة مجرد ببغاء تردد ما يقال، وتلبس كل ما صنع لها، وتملأ فكرها بكل ما يكتب، وتنساق وراء كل نزوة، وتجري وراء كل بريق خادع .

إننا ننشد الحقوق التي تخرج لنا المرأة المسلمة التي تزن الأمور بميزان السماء، وتنظر إلى الحياة من خلال القرآن، وتنظر وهي في الدنيا إلى الدار الآخرة، وتتخذ من الإسلام منهجا ومن رسول الله قدوة وأسوة، (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) [آل عمران: 85] .

الخطبة الثانية:

(( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً ) ) [الطارق:15-16] .

(( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) [آل عمران: 54] .

(( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) ) [الرعد: 17] .

ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيا طافيا ولكنه بعد زبد أو خبث ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحا لا حقيقة له.

والحق يظل هادئا ساكنا، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض ينفع الناس، كذلك يضرب الله الأمثال، وكذلك يقرر مصائر الدعوات ومصائر الاعتقادات ومصائر الأفكار والأعمال والأقوال، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون.

لقد خيل إلى أعداء الإسلام أن الأمة مجتمعة قد استجابت لجهودهم، ورضخت لدعواتهم، واستسلمت لأفكارهم، وإذا بالأمة تؤوب إلى دينها وترجع إلى فطرتها.

وإذا بشباب الأمة وفتياتها يرددون: (( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ ) ) [آل عمران: 193] .

وراحوا ينهلون من كتاب الله وسنة رسوله، وقد وجهوا قلوبهم ووجوههم من جديد بعد حيرة واغتراب شطر البيت العتيق، وولوا ظهورهم للقليس قبلة الضرار التي أقامها إبرهة روسيا وإبرهة أمريكا في موسكو وواشنطن، والتي قام على سدانتها وتسيير الوفود نحوها أبا رغال عصرنا.

إن من بشائر النصر في أيامنا، والتي بدأت تظهر في ديار المسلمين ما تراه من عودة الفتاة المسلمة إلى إسلامها، معتزة بشخصيتها، عادت تهتدي وتقتدي باللواتي أنزل الله فيهن قرآنا.

إن السفور والاختلاط حالة طارئة بدأت على استحياء منذ أكثر من خمسين عاما، وبلغت أوجهها منذ ثلاثين عاما، ثم بدأ صعودها البياني في التوقف ثم الهبوط، ولا يزال آخذا في الهبوط السريع والمؤشرات تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، وجولة في شوارع دولة مسلمة كمصر تؤكد هذه الحقيقة، وستبقى السيادة بإذن الله لشرع الله وأمره بالحجاب وكلمة الله هي العليا.

لقد فعل الموتورون شتى الحيل ليصدوا المسلمة عن دينها، ويوقعوها في شراكهم، ويذبحوا على أعتاب جامعاتهم ومصانعهم ومتاجرهم حياءها قربانا لأغراضهم، فاستجاب لهم تائهات ومخدوعات، ولكن خرج في أمتنا فتيات عفيفات رفعن نداء: (رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا) ، فبددت أطماعهم وانقلبوا خاسئين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت