احذروا هؤلاء أشد الحذر فإنهم قطاع طريق الهداية يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً فعن المسيب t قال: (( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي r فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة فقال له النبي r: أي عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وصاحبه: أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزل النبي r يعرضها عليه ويعودان في تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ماقال: هو على ملة عبدالمطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله ) ) (11) نعوذ بالله من الخذلان ومن جلساء السوء.
فانظر بارك الله فيك كيف أثر جليسا السوء على هذا حتى حالا بينه وبين الجنة وأسلماه إلى النار والعياذ بالله فاحذروا أيها المؤمنون جلساء السوء فإنهم لا يقر لهم قرار، ولا تسكن لهم ساكنة حتى يوقعوكم في معصية الله تعالى ويورطوكم في ترك مافرض الله عليكم، فصحبة الفساق والأشرار قطعة من النار تعقب الضغائن، وتورث الحسرات وتجرئ على المعاصي والسيئات قال الله تعالى: ?وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ` يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ` لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً? (12) .
فليحذر كل واحد منا صغيراً أو كبيراً مصاحبة أهل السوء والريب فإن الصاحب ساحب والطبع سراق.
ولا يغرنك من أصحاب السوء وأهل المعاصي طيب معشرهم أو حلاوة ألسنتهم فالماء قد يصفو منظره وطعمه خبيث قال الأول:
ألم تر أن الماء يخبث طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافيا
قال الشيخ عبدالرحمن السعديُ رحمه الله: بالجملة فمصاحبة الأشرار مضرة من جميع الوجوه على من صاحبهم وشر على من خالطهم فكم هلك بسببهم أقوام وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون. ا هـ كلامه رحمه الله. فاحذروا أيها المؤمنون مصاحبة هؤلاء في أنفسكم وجنبوا أولادكم وأهليكم مصاحبة أهل الشر البطالين فإنهم أكبر أسباب ضياعهم وفسادهم. اللهم إنا نسألك أن تجنبنا الشر وأهله وأن تحفظنا من المعاصي وأهلها.
(1) آل عمران: 102.
(2) رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 7968 وأبو داود في الأدب برقم 4833 والترمذي في الزهد برقم 2378 وسنده لا بأس به.
(3) الكهف: 28.
(4) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه برقم 5543 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2628.
(5) أخرجه البخاري في الدعوات من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 6408.
(6) أخرجه البخاري في الأدب برقم 6170.
(7) رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 8212 وأبو داود في الأدب برقم 4833 والترمذي في الزهد برقم 2378 وسنده لا بأس به.
(8) رواه البزار عن ابن عباس ( مجمع الزوائد 10 / 78 ) .
(9) الشعراء: 100-101.
(10) رواه مسلم في الإيمان برقم 183.
(11) أخرجه البخاري في الجنائز برقم 2035.
(12) الفرقان: 27 -29.
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فإن الإسراف والتبذير داء فتاك يهدد الأمم والمجتمعات، ويبدد الأموال والثروات، وهو سبب للعقوبات والبليات العاجلة والآجلة.
فمن ذلك يا عباد الله أن الإسراف سبب للترف الذي ذمه الله تعالى وعابه وتوعد أهله في كتابه , إذ قال تعالى: ?وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ? (1) .
قال ابن كثير رحمه الله: (كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم ) فإياكم يا عباد الله أن تكونوا من المترفين فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة.
أيها المؤمنون التبذير والإسراف سبب يؤدي بصاحبه إلى الكبر وطلب العلو في الأرض قال صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا وتصدقوا من غير سرف ولا مخيلة ) (2) فالحديث يدل على أن الإسراف قد يستلزم المخيلة وهي الكبر فإن الكبر ينشأ عن فضيلة يتراءاها الإنسان من نفسه ? كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ? (3) .
عباد الله إن الإسراف والتبذير يؤدي إلى إضاعة المال وتبديد الثروة، فكم من ثروة عظيمة وأموال طائلة بددها التبذير وأهلكها الإسراف، وأفناها سوء التدبير، فاتقوا الله عباد الله فإن الله نهاكم عن إضاعة المال ففي حديث المغيرة قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله كره لكم ثلاثاً قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال) (4) رواه البخاري والإسراف إضاعة للمال وتخوض فيه بغير حق قال صلى الله عليه وسلم: (( إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ) ) (5) وهذا كما قال الله تعالى: ?وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ? (6) .
عباد الله إن الإسراف سبب من أسباب الضلال في الدين والدنيا، وعدم الهداية لمصالح المعاش والمعاد، قال الله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ? (7) وقال سبحانه: ?أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ? (8) وقال سبحانه: ?كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? (9) .
أيها المؤمنون إن من عقوبة الله تعالى للمسرفين أن جعلهم إخواناً للشياطين فقال سبحانه: ?وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً? (10) .
فاتقوا الله عباد الله وذروا ظاهر الإثم وباطنه، واعلموا أن الإسراف يشمل جميع التعديات التي يتجاوز بها العبد أمر الله وشرعه سواء كان ذلك في الإنفاق أو في غيره فتوبوا عباد الله من الإسراف كله فإن الله دعاكم إلى ذلك فقال: ?قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ? (11) .
فاتق الله يا عبد الله وتب إلى الله من التفريط والتقصير وأعد للسؤال جواباً فإن الله سائلك عن هذا المال من أين اكتسبته و فيم أنفقته.
الخطبة الثانية
أما بعد. .
عباد الله، اتقوا الله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعلموا أن تقوى الله تعالى لا تتم للعبد إلا بالأخذ بمكارم هذه الشريعة وفضائلها علمًا وامتثالها في الحياة واقعاً وعملاً، أيها المؤمنون إن من فضل الله تعالى علينا أن شرع لنا ديناً قيماً وجعلنا بين الأمم أمةً وسطاً. وسطاً في الأحكام والشرائع ووسطاً في الآداب والفضائل فالحمد لله على ذلك كثيراً كثيراً وشكرا ًله بكرة وأصيلاً.
عباد الله؛ أيها المؤمنون؛ إن من معالم تلك الوسطية المباركة ما ذكره الله تعالى في كتابه عند ذكر صفات أحبابه والخلص من عباده قال تبارك وتعالى ? وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ? (12) أي كانوا في نفقاتهم الواجبة والمستحبة على العدل والوسط، لا وكس ولا شطط فعباد الرحمن هم الحكماء العدول في نفقاتهم، لا يتجاوزون ما حده الله وشرعه، ولا يقصرون عما أمر به وفرضه.