لفضيلة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالقرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المنزل على أشرف خلقه، وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم لهداية الناس، وإرشادهم في كل زمن إلى ما به صلاح دنياهم في جميع شئونها، وصلاح دينهم وآخرتهم.
والقول في تفسير هذا القرآن ليس بالأمر الهين الذي يستطيعه كل أحد، ويقدر عليه كل من عرف القراءة والكتابة، لأنه كلام الله العلي الأعلى الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، ولكن قد تفضل الله بتيسيره للمتدبرين، والمتفقهين ليزكوا به نفوسهم ويطهروا بالفقه فيه أرواحهم وأخلاقهم، قال تعالى في غير آية: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر.
والقرآن مائدة الله التي مدها لعباده، وحديقته التي زينها بمختلف الفواكه والزهور والرياحين وفتح أبوابها لكل طالب، ويسر النفع بها لكل راغب، فمن دخل تلك الحديقة، وجلس على هذه المائدة لا بد أن ينال حظًا من طعامها وثمارها، أو من روحها وشذى طيبها، وهم في ذلك على قدر جهدهم وعلى تفاوت صدقهم وحرصهم، فمنهم البحر الخضم، ومنهم النهر، ومنهم النهير، ومنهم الجدول، ومنهم دون ذلك: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها والكل متى صلحت نيته وخلص مقصده لله، وسلك السبيل في يقين بالحاجة إلى هذه المائدة والحديقة، حاجة لا غنى له عنها، ولا يجدها إلا في هذه المائدة والحديقة، ومن كان كذلك، وسلك السبيل، فلا بد أن يصل إلى بغيته وينتهي إلى طلبته، ويجد غذاء قلبه وروحه على قدر طاقته، وعلى سعة واديه، فلا يدعن أحد شياطين الأنس والجن تلعب بعقله، وتزيغ به عن القرآن وتخدعه عنه وعن هدايته، باسم النصيحة له، والإجلال للقرآن والإعظام لشأنه أن تناله أفهام العامي أو تدرك مقاصده عقول البسطاء، أو تعرف مراد الله منه طبقة الأميين، وأنه لا تفهم آياته غير عقول العلماء المتبحرين من السابقين، إن ذلك من خدع شياطين الإنس والجن يصدون الناس بها عن معرفة حقيقة دينهم، ويحولون بها بين القلوب وغذائها النافع وريها الطيب من ماء القرآن العذب وفواكهه الكثيرة التي أدنى الله لكل مسلم من جناها ما يستغني به عن كل غذاء؛ وقرب موردها لكل وارد حتى لا يجد له يوم القيامة عذرًا ينفع، ولا حجة تدفع عنه عذاب المعرضين عن ذكر الله الذين أطاعوا سادتهم وكبراءهم فأضلوهم السبيل.
وليس القصد من هذا والغرض منه أن يكون كتاب الله مهزلة يعبث به كل جاهل، وملعبة يقول فيه كل أحد برأيه، ويؤوله بهواه، ويتكلم في تفسيره بجهله، فيحرف القول عن موضعه بما يبطل حدوده ويقضي على آياته، ويزعم أنه يفسر القرآن بالقرآن ويرشد منه إلى الهداية والعرفان، كلا ثم كلا، إنما نقصد بقولنا: إن العامي يقرأ ليفهم، لا ليتبرك بتكرير الألفاظ، ويقرأ القرآن كما يقرأ كتابًا يجيئه من عظيم يأمره ويرشده ويتدبره ويعود نفسه التدبر ويمرنها على الفهم وذوق كلام الله تعالى، فإنه إذا قرأ كذلك فتح الله له من آيات أصول الإسلام في توحيد الآلهية والعبادة، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ما لا يجد مثله في كتاب آخر، وينتفع من ذلك بما لا ينتفع بمثله ولا ببعضه من أي كتاب آخر، وما لا يغني عنه أي كتاب غير القرآن، فإن لقي في سبيله عقبة، فلا يحاول إغفالها والإغضاء عنها، بل يعمل على تذليلها بالرجوع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم، فإن لم يقدر على ذلك بنفسه فليستعن بمن تطمئن نفسه إليه من أهل العلم الذين هم أوسع منه إطلاعًا، وأكثر منه إدراكًا لمراد الله تعالى، وإلمامًا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح والعلماء
المحققين، فإن اختلف عليه قول العلماء في ذلك فليفزع إلى الله معلم إبراهيم عليه السلام وليدع بما كان يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم:"اللهم رب جبريل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". فإنه إن شاء الله مهتد إلى الحق بتوفيق الله وهدايته، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.