اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . اللهم ارض عن الصحابة، وأرضهم واجمعنا بهم في جنات النعيم .
اللهم أعز الإسلام ومن تمسك به. اللهم اخذل أعداء الدين، من اليهود والنصارى والطغاة الملحدين. اللهم اكف المسلمين شرهم، واجعل كيدهم في نحورهم يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، التي تدلهم على الخير وتنهاهم عن الشر.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضى المسلمين .
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أعظم وأكبر، والله يعلم ما تصنعون .
[1] فتح القدير 5/411-تفسير ابن كثير 4/492
[2] هي السفينة.
[3] تفسير السعدي 5/396 .
[4] أ-هـ الظلال 6/3874 .
الحمد لله يحب المحسنين، ويجزي المتصدقين ، نحمده سبحانه نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وأشهد أن إلا إله إلى الله وحده لا شريك له، يرضى عن المخلصين، ويزيدُ الشاكرين، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، إمام المتقين، وخاتم النبيين ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه من الأنصار والمهاجرين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد أيها المسلمون: إن الإنسان في هذه الحياة معرض للأخطاء والأضرار، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، لذا فهو بحاجة إلا الله تعالى في كل أموره ليوفقه ويعينه ويسدده .
أيها المسلمون: قد تتعارض لدى الإنسان في حياته بعض الأمور المباحة فلا يدري هل الإقدام على هذا الأمر خير أم تركة خير ، ومن ثم يقع في حيره ، فلذلك شرعت الاستخارة حتى لا يضطرب عليه أمره ، ولا تطول غمته .
ومن شدة الاهتمام بالاستخارة وكمال الاعتناء بها جعل الرسول r تعليمها لأصحابه مثل تعليمهم السورة من القرآن لعظم نفعها .
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: (( إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ) )رواه البخاري . [1]
قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: هذا الحديث يدل على مشروعية صلاة الاستخارة والدعاء عقبها ، ولا أعلم في ذلك خلافاً .
أيها المسلمون: الاستخارة هي طلب التوفيق من الله تعالى والاستعانة به . وتفويض الأمر إليه في جلب الخير ودفع الشر ، فالاستخارة تكون في الأمور التي لا يدري الإنسان وجه الصواب فيها .
أيها المسلمون: إن الاستخارة مظهر من مظاهر الرجوع إلى الله تعالى ، وربط قلب المسلم بالله تعالى في السر والعلانية في الحال والمقال . كما أنها دليل على صدق التوكل على الله وتفويض الأمر إليه و الرضى بحكمه وقدره .
لقد كان السلف الصالح أيها المسلمون يهتمون بالاستخارة قولاً وعملا .
كتب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله لما ولي الإمارة: إذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه.
وقال له أيضا في بعض وصاياه: وأكثر من استخارة ربك في جميع أمورك"."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا عن للإنسان جهة فليستخر الله فيها المتلقاة عن معلم الخير e فإن فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية .
وقال ابن تيمية أيضاً: (( وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة فما ندم من استخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي ، وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك ) ) [2] .
وإليكم أيها المسلمون بعض استخارات السلف في بعض أمورهم . فهذه زينب بنت جحش رضي الله عنها تستخير الله في زواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم حينما طلبها .
عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه قَالَ: (( لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ (( اذْكُرْهَا عَلَيَّ ) )قَالَ زَيْدٌ فَانْطَلَقْتُ فَقُلْتُ يَا زَيْنَبُ أَبْشِرِي أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُكِ فَقَالَتْ مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا وَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ )) [3] .
قال تعالى: (( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ) ) (الأحزاب: 37) .
قال النووي رحمه الله: ولعلها استخارت لخوفها من تقصيرها في حقه صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
وهذا الإمام البخاري رحمه الله يستخير الله في أحاديث الصحيح . قال: (( صنفت كتابي الجامع وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته ) ) [4] .
وهذا الإمام المنذري رحمه الله قال في مقدمة كتابه الترغيب والترهيب سألني بعض الطلبة أن أملي كتاباً جامعاً في الترغيب والترهيب مجرداً من التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل فاستخرت الله وأسعفته لطلبته لما وقر عندي من صدق نيته وإخلاص طويته وأمليت هذا الكتاب .
نسأل الله تعالى صدق الإيمان وحسن الأقوال ولأعمال . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله (( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ) ) (الحديد: 5) .
واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) (لقمان: 34) .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم البشير النذير والسراج المنير صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم النشور .
أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى و أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له. وأخلصوا دينكم لله لعلكم تفلحون .