الوسيلة العاشرة: كن على ثقة بأن النصر لدين الله، وأن العاقبة للمتقين: عندما لحق سراقة بن مالك بالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم الهجرة أدركه؛ لأن قريشاً جعلت مائة بعير لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فكل شخص يريد مائة بعير -البعير مثل السيارة الآن، أي: مائة سيارة (مرسيدس) - سفينة الصحراء، فقام سراقة -وكان من أشرس وأشجع الرجال من العرب في الجاهلية والإسلام- قام يدور ويصول ويجول حتى لحقه، فلما لحقه قال الرسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا رآه: (اللهم اكفناه بما شئت، فساخت قدما فرسه ويداه إلى الأرض -غُرِست في الأرض- فقال: ادعُ لي، ودعني أخرج، قال: وما تُعْلِم أحداً؟ قال: ولا أُعْلِم أحداً عليك، قال: كيف بك يا سراقة ! إذا لبست سوارَي كسرى؟) . أمعقول أن يصدق هذا؟! أنه يأتي بعد أيام وهو جالس على كرسي كسرى دون أن يسعى إليه! لن يصدق، يقول: هذا لا يعقل! هذا رجل من الأعراب في وسط الصحراء، وكسرى زعيم الفرس كلهم، لا إله إلا الله! وهذا يؤمل إلى ذلك! ولكن كانت عنده ثقة، وفعلاً حقق الله نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي عهد عمر ، لما جيء بالغنائم كان من ضمنها سواري كسرى وكان ملبوساً في يدي سراقة بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. فيجب أن تثق، فثق، و سيجعلك الله تبارك وتعالى ممن آمن وعمل صالحاً.
من وسائل الثبات: معرفة الباطل
الوسيلة الحادية عشرة: معرفة الباطل؛ لأن الله يقول: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] وكان حذيفة بن اليمان متخصصاً في معرفة الشر، يقول: [كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنتُ أسأله عن الشر] لماذا؟! [مخافة أن أقع فيه] بعض الناس يسأل عن الشر من أجل أن يدخل فيه، أول ما ينزل يسأل: أين مكان كذا؟ أين السمرات؟ أين الجلسات؟ أين المنتديات؟ أما هذا فيسأل عن الشر حتى لا أحد يجره إليه. فعليك يا مسلم! أن تكون عارفاً بالشرور كلها؛ لئلا تقع فيها؛ لأنك إذا عرفت مرض السِّل، فقد عرفت أعراضَه ونتائجَه فلا تقع فيه، وإذا عرفت الفشل الكلوي و (الكوليرا) و (الإيدز) فهو كذلك، لكن الذي لا يعرف الأمراض والشرور ربما يقع فيها بغير علم، فعليك إذا كنت تريد أن تثبت على الدين أن تتعرف على الشرور والمفاسد حتى لا تقع فيها، وألا تغتر بدولة الباطل؛ لأن الله يقول: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196-197] . ويقول: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4] لا يغرك أن ترى الباطل منتفشاً أو منتفخاً وترى أهل الحق ضعفاء! إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47] .
من وسائل الثبات الصبر
الوسيلة الثانية عشرة: الصبر. الصبر هو: أنك تعاني من شيء لا تقدر عليه يعني: الشخص منا يصبر على أكل الأرز، أيسمى صابراً وهو يأكل أرزاً؟! لا. اللذات والشهوات والمباحات لا يحتاج لها إلى صبر، هذه لذات. وإنما الصبر لغة هو: حبس النفس على ما تكره. تصبِّرها على طاعة الله، وتصبِّرها عن معاصي الله، وتصبِّرها على أقدار الله المؤلمة، ولذا قال الله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] . هذه اثنتا عشرة، وسوف نتحدث عنها بإذن الله بشيء من التفصيل في المستقبل، وقد تحدثنا عن ثلاث فقط منها.
سعيد بن مسفر
حقيقة الإيمان .. علم لابد له من معلم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ما هذه الحياة؟ وما حقيقتها؟ ومن أين أتى إليها هذا الإنسان؟ ولماذا جاء إليها؟ وإلى أين سينتقل بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؟ أسئلة تتردد في ذهن كل إنسان، أسئلة محيرة، وقد عجزت كل الفلسفات والمذاهب في القديم والحديث عن الإجابة على هذه التساؤلات؛ لأن الذكاء والعبقرية والعقل لوحده لا يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؛ لأن العلم بالشيء لا بد أن يكون من معلم، فلو جئت -مثلاً- بشابٍ يعيش في أغوار تهامة أو في الصحراء، ودرجة الذكاء عنده متوقدة، أي: ذكي جداً لدرجة العبقرية، ولكنه لم يدرس في المدارس وأعطيته مسألة رياضية أو فك أقواس وقلت له: فك لي هذه الأقواس. وهو لم يدرس شيئاً حتى الحروف الأبجدية، فهل يستطيع ذلك بذكائه وعبقريته وفطرته فقط أو لا بد من أستاذ الرياضيات ليعلمه؟ كذلك لو جئت إلى أستاذ (الإنجليزي) الذي يقرأ اللغة (الإنجليزية) والذي ننظر إليه بإعجاب وهو كالبلبل يترنم بها، لو جئناه برسالة باللغة (الأردية) -لغة الباكستانيين- وقلنا: يا أستاذ (الإنجليزي) اقرأ هذه الرسالة. قال: لا أدري. ثم قلنا له: تعرف (الإنجليزي) وما تعرف هذه؟! قال: نعم. اللغة (الإنجليزية) أعرفها؛ لأني درست حروفها وأبجدياتها وكلماتها وتركيباتها وقواعدها وكل ما فيها عرفته، لكن هذه لغة تختلف عن هذه اللغة فلا أعرف منها حرفاً واحداً. لكن أنت ذكي؟! - أنا ذكي في مجال تخصصي، لكن شيئاً لم أدرسه لا أعرفه. وكذلك قس على هذا في كل العلوم، لا يمكن بالعقل لوحده أو بالذكاء أن تدرك علماً من العلوم إلا بالمعلم، أليست هذه قاعدة؟
وسائل إدراك الغيبيات