فهرس الكتاب

الصفحة 8796 من 9994

فإنَّ للمنافقينَ أساليبَ ووسائل في خلخلةِ الصفوف, وتفريقِ الكلمة وزعزعةِ الثقة, فمن ذلك: ترويجُهم للشائعات التي تثير البلبلة, وتؤججُ الفتنة, وتستدعي اهتمامَ الفضوليين, وهم يهدفون من وراءِ بثِّ الشائعاتِ المُغرضة إلى تحقيقِ غاياتٍ معينة, لعلَّ من أهمِها: إضعافُ الثقةِ في النماذجِ الخيرة, والقممِ الشامخةِ من رجالاتِ الأمةِ وقادتها, حيثُ يدورُ محورُ تلكَ الشائعات على التشكيكِ والإرجاف, واتهامِ النوايا, وهم بذلك يرثون طريقةَ أسلافِهم, أبطالَ حادثةِ الإفكِ المشهورة, يومَ خاضَ المنافقون في عرضِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واتهموا ابنَةَ الصديق بأبشعِِ تُهمة, وأعظمِ جناية, وما ذلك إلا لزعزعةِ الثقةِ في شخصِ رسولِ الله r , وتفريق الناسِ من حوله، ليطيبَ لهم المكان, وتخلو لهم الساحة، ليبدأ بعدَها مسلسلَ الدجل وخلطِ الحقِّ بالباطل. فأحذر أخي المسلم أن تُرددَ كلُّ ما يُشاع ويُفتر ى ضد إخوانك المسلمين, لا سيما العلماء المخلصون, والدعاة الصالحون, وتذكر قوله تعالى: (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ) ) (النور:12) .

وقوله كذلك: (( وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) ) (النور:16) .

ومن أساليبِ المنافقين وطرائقِهم للوصولِ إلى أهدافهِم ومقاصدهِم, إنفاقُ المالِ في مشروعاتٍ ذات طابعٍ خيري, ظاهرُها الرحمة، وباطنُها من قبلِها العذاب, فقديماً أسس المنافقون على عهدِ رسول الله r مسجدَ الضرار، غطاءً لمؤامراتهِم وحربهِم الخفيةِ للإسلام, وهو في الوقتِ نفسه دِعايةً مكشوفة، توهمُ العامَّة والمغفلين بأنَّهم رسلُ رحمة, ودعاةُ فضيلة, ورافعو معاقلِ الإسلام ، (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون ) ) (التوبة: من الآية107) تأمل رحمك الله قولَهم . (( إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى ) )ويقسمونَ على ذلك قسماً, فهم يدَّعون حُسنَ النية والمقصد، والرغبة في الخيرِ والإحسان, ولكنَّ الله يفضحُ كذبَ دعواهم, وزيفَ مقاصدِه, ويشهدُ إنَّهم لكذبون, وقِسْ على ذلك باقي أعمالِهم من صلاةٍ وصدقة، وبرٍ وصلة, يراءون الناسَ ولا يذكرون الله إلا قليلاً, وأخيراً وليس آخر فإنَّ من أساليبهم تبني سياسةَ التجويع, ومحاولَة قطعِ إمداداتِ الحياة عن المؤمنين الصادقين, كوسيلةٍ من وسائلِ الضغطِ والإرهاب .

(( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) ) (المنافقون:7) وهم في طريقتهم تلك يسعون لابتزازِ الشُرفاء, ومساومةِ الكرام في قضايا لا تقبلُ نقاشاً أو حواراً , متناسين أنَّ النفوسَ الأبيةَ المؤمنة لن تتخلى عن مواقِفها, ولن تتنازَل عن مبادِئها, ولن تفرطَ بثوابتها, من أجلِ قليلٍ من الفُتات متناثرٌ فوقَ موائدِ اللئام، وهي التي تسمعُ نداءَ ربِها، يُجلجلُ في مسامعها صباحَ مساءَ . (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ) (الطلاق:2و من الآية 3 ) وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) ) (الذريات:58) وقوله كذلك: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ) (هود:6) .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةٍ مضلة،

اللهمَّ زيِّنَا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنَّا في الأوطانِ والدور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفون.

1 ـ رواه مسلم (1847) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينهُ ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله.

أخوة الإسلام:

الأخلاقُ والقيمُ قوة للأمم، وصونٌ للأفرادِ وحمايةٌ للمجتمعات، وإذا كان الضعفُ الاقتصادي والسياسي مؤثراً في ميزانِ القوى، فالضعفُ الاجتماعي والتهتك القيمي، والسقوطُ الأخلاقي أعظمُ تأثيراً وأشدُّ بلاءً، إنَّ المعركةَ متعددةُ الجبهات، وإذا هُزمنا أمامَ عدونا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فهل نُهزم أخلاقياً؟! لتكون مكملةً الهزائم ؟ إنَّ الفسادَ الخُلقي ينخرُ في بيئةِ أعداءَنا كما ينخرُ السوسُ، وهو مؤذنٌ بهزيمتهم ونهايتهم، لكن هل بتنا نُشاركهم في بعضِ هزائمهم ؟ افترى الفاحشة عياناً في مجتمعِ المسلمين، بل ويروجُ لها في الصورةِ والصوت ؟ والعِفّة شرفٌ، والحياءُ من الإيمان، والعفافُ طهرٌ، والفجورُ مأثمٌ ومنقص، والزنا واللواط خارماتٍ للمروءةِ والشرف، مضعفاتٍ للدين، واهنات للأخلاق .

أيُّها المسلمون:

وحديثي إليكم اليومَ عن حمايةِ الفضيلة، وطرقِ الوقايةِ من الرذيلة، لاسيما وقد بدأت تطلُ علينا مظاهرَ غربية، وسلوكياتٍ مُشينة، وإذا كان الناسُ _ مسلمهم وكافرُهم _ يتفاوتون في تقديرِ الفضيلةِ وحمايتها، والتهاونِ في الرذيلةِ وممارستها، فما يزالُ الناسُ يفتخرون بالعفةِ قديماً وحديثاً _ كما يقول ابن القيم _ رحمه الله _ (روضة المحبين/349) : جاءت شرائعُ السماءِ لتؤكدَ قيمةَ الأخلاق، وتصونَ الأعراض، وتنهى عن الفواحشِ، وجاءَ الإسلامُ متمماً لمكارمِ الأخلاق، داعياً لكلِّ فضيلة، محذراً وناهياً عن كلِّ رذيلة، وامتلأ كتابُ الله بالآياتِ والسِّور، والنماذجُ والأمثالُ التي تُرسي الفضيلةَ وتُعظِّم شأنها، وتنهى عن الفاحشةِ، وتذمُ أصحابها، وجاءت السُنة النبويةُ كذلك بجمعٍ من النصوص، وسيلٍ من القصصِ والأمثال التي يُعلمُ بها نبيُّ الأمةِ كيف تبني الفضائل، ويسارَ في ركب القيم، ويحذِّرُ الناسَ من الفاحشة، وتُرسم لهم سُبل الخلاصِ منها، ولا غرابةَ في هذا، فالإسلامُ دينُ الفطرةِ والقرآن، هدىً ونور، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- بُعث ليُتمم مكارم الأخلاق.

وما كانت القيمُ غائبةً عن أصحابِ الفطرِ السليمة _ وإن لم يكونوا مسلمين ، وعند عربِ الجاهلية _ الخبرَ اليقين، وما توقفت الغيرةُ والدفاعُ عن الأعراضِ على الآدميين بل شملت غيرهم من الحيوانات _ ومما لا يعقلون _ أجل لقد قالت المرأة، وهي حديثةُ عهدٍ بجاهليةٍ وشرك: (( أتزن الحرة يا رسول الله ؟ ) ).

وقالت الأخرى:"وهي تكره على الطواف بالبيت عارية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت