فهرس الكتاب

الصفحة 8795 من 9994

وفي صحيح مسلمٍ عن حذيفةَ- رضي الله عنه- قال: (( كان الناس يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الخيرِ, وكنتُ أسألُه عن الشرِّ، مخافةَ أن يدركَني فقلت: يا رسول الله إنَّا كنا في جاهليةٍ وشر، فجاءنا اللهُ بهذا الخير فهل بعد هذا الخيرِ شر ؟ قال: نعم ، فقلتُ له: هل بعد ذلك الشرِّ من خير قال: نعم وفيه دَخَن قلت: وما دَخنُه ؟ قال:قوم يَستنون بغير سُنتي ويهتَدون بغير هديي, تَعرفُ منهم وتُنكر, فقلت:هل بعد ذلك الخيرِ من شر؟ قال: نعم ، دعاةٌ على أبوابِ جهنم, من أجَابهم إليها قَذفُوه فيها فقلت:يا رسول الله ، صفهم لنا, قال: نعم، هم قوم من جلدتنا, يتكلمون بألسنتنا .. ) ) [1] . وهؤلاء الذين وصَفهم الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- لحذيفة, هم المنافقون, وهم قومٌ من بني جلدتنا, ويتحدثونَ ويكتبونَ بلغتنا , ونقرأُ لهم صباحَ مساء, لكنَّ الأمة المنحدرة لا تزالُ غافلةً عن أهدافِهم, جاهلةً بأوصافِهم، غير مدركةً لأساليبِهم ووسائلِهم, فأنَّى لها أنْ تأمنَ شرَّهم, أو تحذَر كيدَهم, فإلى حديثِ القرآنِ الكريم وهو يُعرِّي تلكَ الوجوهَ القبيحة, ويفضحُ تلكَ الشراذم الكئيبة, نصحاً للأمة أن تقع في شباكِهم, أو تزلَ قدمٌ بعد ثبوتِها, يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) ) [البقرة: 10,9,8] , فالمخادعةٌ ركنٌ رَكين, وأصلٌ أصيل, لا يقومُ النفاقُ بدونه, والمنافقون هم صُناعُ الكيدِ والمكر, وهم رؤوسُ الخيانةِ والغدر, ويظهرُ خداعُهم ومكرُهم, من خلالِ سرعةِ تلونِهم, وفُجاءةِ تَحوُّلهِم, وإمساكهِم للعصا من وسطِها: (( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء ) ) (النساء: من الآية143) ،: (( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) ) (البقرة:14) ويتضحُ خداعهم من خلالِ ابتساماتهِمُ الصفراء, وجباهَهُم القاطبة عند ملاقاةِ الوجُوهِ الخيِّرة, وما يعقبون ذلك من عضِّ الأناملِ, وقضمُ الشفاهِ من الغيظِ, والمقتُ الشديد: (( وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ) (آل عمران: من الآية119) .

ويظهر خداعهم كذلك من خلالِ تلاعبهم بالألفاظ, وتحريفِ الكلمِ عن مواضعه, فقاموسَهم مختلطٌ مقلوب, ومعجمُهم فاسدٌ منكوس, فالتفسُّخُ عندهم حضارة, والميوعة لديهم شطارة, والسفورُ تقدمية , والتبرُجُ مدنية, والتمثيلُ فنونٌ راقية, والغناءُ صدقٌ ومعاناة, والموسيقى هدوءٌ للأعصاب, والزنا حرية شخصية, والربا استثمارٌ ومضاربة, والإلحادُ شعرٌ حر إلى آخرِ القائمةِ المستهلكة ِالمعروفة.

ومن مظاهِر خدَاعهم كذلك . (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) ) (البقرة:11, 12) .

فهم قتلةُ الحياءِ والفضيلة, وهم سفراءُ الدياثةِ والرذيلة, وهم دعاةُ الاختلاطِ والسفور, وهم سدنةُ العُهرِ والفجور, وهم زعماءُ الإباحيةِ الهابطة, وهم فرسانُ الدعواتِ الساقطة, فكم من البيوتِ العامرةِ خرَّبوها, وكم من الأُسرِ الفاضلةِ أفسدوها, وكم من الشبابِ الواعدِ أضاعوه, وكم من حياءِ العذارى هتكوه, وكم من رايةٍ للرذيلةِ رفعوها, وكم من صروحٍ للفضيلة وضعوها, قاتلهم الله أنى يؤفكون, ومن ملامح أولئك الشياطين قُبولَهم للحقِ حين يوافقُ أهواءهم, ويُلبي أطماعَهم , لا لأنَّه الحق، ( ولكن لحاجةٍ في نفسِ يعقوب ) فكثيراً ما تسمعهم يستشهدون بآيةٍ, أو حديثٍ ما, ويرددونها صباح مساء, حين تخدمُ مصالحَهم, وتحققُ مطالبَهم, في مقابلِ إعراضٍ تام, وصدودٍ عام، عن كلِّ ما يصادمُ شهواتِ النفوسِ وحظوظها, وشبهاتِ القلوبِ وعللِها .

(( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (النور:47/50) .

فهذه الصفةُ إذاً تعكسُ مقدارَ الخسةِ والنذالة، التي تنطوي عليها تركيبةُ المنافِق ونفسيتُه, فهو مستعدٌ دائماً لقبولِ كلِّ شئ, ومدَّ يده لكلِّ أحد، ما دام يحققُ له ما يريد, ويُلبي له ما يهوى, بيد أنَّهُ لا يترددُ بتاتاً في رفضِ كلِّ شئ, وبغضِ كلِّ شئ, وحربِ كل أحد ما دام مستعصياً على أهوائِه, متمرداً على أطماعِه, ثم هي كذلك صفةٌ تُجلِّي بوضوح تلك الأرضيةَ المتحركة، التي يستندُ إليها ذلك المأفون, والتي تفتقدُ للمبادئِ الثابتة, والقيمِ الراسخة, فهو عارٍ من النزاهةِ والإنصاف, والتجرد والموضوعية, يعيشُ بلا مبدأ أو قيمة أو خُلُق، سريعُ التلون, بالغُ المكرِ، شديدُ الدهاء, يومٌ في أقصى اليمين ويومٌ في أقصى الشمال, وعدوُ الأمسِ صديقُ اليوم, وصديقُ اليومِ عدو الغدِ القريب: (( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) ) [النساء:141] .

ومن ملامحِ المنافقين وصفاتِهم, خذلانُهم للمؤمنين ساعةَ الكربِ والشدة، منفضينَ عنهم في أحرجِ المواقف، يواجهون الباطلَ بمفردهم, ناهيك عن عباراتِ الشماتةِ والتشفي, ومجالسِ التندرِ والسخرية, وقد يكونُ منهم من يتجلببُ بجلبابِ النُسَّاك والعُبَّاد, أو يرفعُ رايةَ الدعوةِ والإصلاح, فلا تكادُ تستريبُ من صدقِهم, أو تشكُ في إخلاصِهم, لبراعتهمِ في التمثيل, ومهارتِهم في أداءِ الأدوار بكلِّ دقةٍ واقتدار, حتى إذا آن أوانُ الجد وحانتْ ساعةُ المحنة, امتطوا صهوَة الفرارِ والمهرب, على طريقةِ أسلافِهم يومَ أُحد , أو على طريقةِ: (( إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً ) ) [الأحزاب: من الآية13] .

باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم. واستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمدُ لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةَ المسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

أيَّها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت