فهرس الكتاب

الصفحة 7730 من 9994

فالحق أحق أن يتبع، ودين الله تعالى وسط بين الغالين والجافين، ولن يضره ضلال الضالين، ولا تحريف المحرفين، ولا تخذيل المخذلين، الذين جعلوا من مهماتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتبديل كلام الله تعالى، وتصدير الفتاوى الشاذة التي ليس لهم فيها سلف، وهي مصادمة للنصوص القطعية من الكتاب والسنة؛ ليشتروا بها ثمنا قليلا، ولينالوا عرضاً من عرض الدنيا، كما فعل أسلافهم من أحبار اليهود، ورهبان النصارى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) . [البقرة: 79] .

ألا فاتقوا الله ربكم، واستمسكوا بدينكم، وعضوا عليه بالنواجذ، ولا تغرنكم أقوال المخذلين، وتشكيك المشككين، وتلاعب المتلاعبين بدين الله تعالى؛ فإنهم يضرون أنفسهم، ولن يضروا الله تعالى ولا شريعته شيئاً، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وصلوا وسلموا على نبيكم، فإنّ الله تعالى أمرنا بذلك في كتابه، فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . [الأحزاب: 56] .

الركن الخامس من أركان الإيمان : الإيمان باليوم الآخر

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) .

أما بعد:

فإنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الأحبة في الله:

لا يزال الحديث موصولاً عن أصول الإيمان وأركانه العظيمة، فقد تقدم الحديث عن الأركان الأربعة الأولى، وهي:

وهذا أوان الحديث عن خامس تلك الأركان العظيمة، وهو الإيمان باليوم الآخر، ويوم القيامة العظيم، فأقول مستعينا بالله متوكلا عليه طالباً المدد منه وحده.

لقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بما يصعب حصره، من الآيات والأحاديث التي تقرر عقيدة الإيمان باليوم الآخر، وتدعو إلى ترسيخها في القلوب، وذلك لما لتلك العقيدة من الآثار العظيمة في حياة المؤمن وسلوكه، وعلاقته بربه، وشريعة مولاه وخالقه، وعلاقته بالآخرين، وتعامله معهم.

وسمي ذلك اليوم باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم، فبئس المنزل وبئس المصير.

أيها المسلمون:

إنّ الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بالبعث بعد الموت:

حيث تلتئم الأجساد الممزقة، والعظام المفتتة، وتعود الأرواح إلى أجسادها بأمر ربها وخالقها.

ويكون ذلك كله حين يُنفخ في الصور نفخة البعث، فيقوم الناس لرب العالمين: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) . [سورة الأحزاب، الآية: 70- 71] .

قال تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) . [سورة النازعات، الآية: 14] .

ويساق الناس إلى أرض المحشر حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلاً غير مختونين، قال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) . [سورة الأنبياء، الآية: 104] .

وفي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام:"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً. قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم لبعض؟! قال: يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم لبعض!". [واللفظ لمسلم]

ولقد كذب المشركون والدهريّون قديماً وحديثاً بالبعث بعد الموت: (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) . [سورة الأنعام، الآية:29] .

وذكر ابن كثير عن مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي، وقتادة:"جاء أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار، ونزلت هذه الآيات من آخر سورة يس:"

(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) . [سورة يس، الآيات 77- 79] . إلى آخر السورة.

إذاً فقد أنكر أولئك الكافرون البعث، زاعمين أن ذلك غير ممكن بعد تمزق الأجساد، وتفتت العظام، وتعاقب السنين والأعوام.

وهذا الفهم السقيم نتج عن أنهم قد قاسوا ذلك على قدراتهم البشرية الهزيلة، ونسوا قدرة جبار السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) . [سورة التغابن، الآية: 7] .

وفي سورة البقرة وحدها خمسة أمثلة واقعية مشاهدة، وكلّها تدل على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى وإعادة الأرواح إلى أجسادها.

فالمثال الأول:

حين طلب بنو إسرائيل من موسى عليه السلام رؤية الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم، وفي هذا يقول الله تعالى:

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) . [سورة البقرة، الآيات 55- 56] .

والمثال الثاني:

في قصة القتيل، الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها، فلما فعلوا ذلك أحياه الله، فأخبرهم بالذي قتله، وفي هذا يقول الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت