فهرس الكتاب

الصفحة 9031 من 9994

ومنها أنه سبب لصرف السوء والفحشاء قال تعالى في قصة يوسف: ?وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ? (17) .

ومنها أن العمل القليل مع الإخلاص سبب للفوز برضا الله تعالى ومن أمثلة ذلك قوله: r (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) (18) فشق التمرة مع الإخلاص يقي النار بمنة الكريم المنان وأطنان التمر مع الرياء تولج أسفل النيران قال تعالى: ?إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً? (19) .

قال ابن القيم رحمه الله:

والله لا يرضى بكثرة فعلنا لكن بأحسَنه مع الإيمان

فالعارفون مرادهم إحسانه والجاهلون عموا عن الإحسان

بقي من الفوائد أن العبد ينصر بإخلاصه قال النبي r فيما أخرجه النسائي عن مصعب بن سعد رأى سعد بن أبي وقاص أن له فضلاً على من دونه: (( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ) ) (20) .

أيها الإخوة المؤمنون اعلموا وفقكم الله أن الأعمال والطاعات لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: (( إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها ) ) (21) فيا إخواني عليكم بتصحيح النيات والأعمال لله تعالى.

(1) النساء: 1.

(2) البينة: 5.

(3) الأنبياء: 25.

(4) النحل: 36.

(5) الفرقان: 23.

(6) هود: 15-16.

(7) أخرجه مسلم في الإمارة برقم 1905.

(8) النساء: 142.

(9) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2564.

(10) الرعد: 17.

(11) الترمذي تفسير القرآن من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه بلفظ:"إن حمدي زين .."برقم 3267 وأخرجه أحمد في مسنده من حديث الأقرع بن حابس رضي الله عنه بلفظ:"إن حمدي زين .."برقم 15561.

(12) أخرجه النسائي في الجهاد برقم 3140.

(13) أخرجه البخاري في العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 99.

(14) التوبة: 40.

(15) هود: 53-55.

(16) الحجر: 40.

(17) يوسف: 24.

(18) أخرجه البخاري في الزكاة من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه برقم 1417.

(19) النساء: 145.

(20) أخرجه النسائي في الجهاد برقم 3127.

(21) أخرجه أبو داود في الصلاة برقم 675.

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-غنى الله تعالى عن خلقه. 2- بيان الله تعالى للعبادة الحقة. 3- حقيقة العبادة. 4- الإخلاص روح العبادة وأساسها. 5- أمر الله تعالى بالإخلاص. 6- معنى الإخلاص. 7- تفاوت الأعمال بحسب النية. 8- وعيد من فسدت نيته. 9- الإخلاص حرز من الشيطان. 10- الإخلاص في المباحات.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فاتَّقوا الله معشرَ المسلمين، فتقوَى الله عدّتُكُم وزادُكم لأخرَاكم وصلاحُ دنياكم.

عِبادَ الله، اعلَموا أنَّ الله غنيٌّ عن العالمينَ، لا تنفعُه طاعة الطائعِين، ولا تضرّه معصيةُ العاصينَ، وإنما نَفعُ الطّاعةِ لفاعلِها، وضرَرُ المعصيَةِ لصاحبِها، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:15] .

ولمّا كانَ العبدُ مخلوقًا لعِبادةِ الله تعالى ولاَ صَلاحَ له ولا فَلاحَ في الدّارَين إلاّ بتحقيقِ هذهِ العبوديّة بَيَّن الله له أنواعَ العِبادة، وفصّلها للخَلق في الكتابِ والسنّة، وبيَّن ما يُضادّ هذه العِبادةِ؛ ليتقرّبَ المسلِم إلى ربِّه بفعلِ كلِّ أمرٍ أمرَه الله به، وبِتركِ كلِّ نهيٍ نهاه الله عنه، قالَ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] ، وقال تَعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ، وقال: (( مَا نهيتُكم عَنه فاجتنِبوه، وما أَمرتكم بِه فأتوا مِنه ما استَطَعتم، فإنما أَهلَك مَن كان قبلَكم كَثرةُ مسائِلهم واختلافُهم على أنبيائِهم ) )رواه البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (1) [1] .

والعِبادةُ تقرُّبٌ إلى الله عزّ وجلّ بما شرَع بحبٍّ وخُضوعٍ تامّ واستسلامٍ لربّ العالمين، قالَ الله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر:54] ، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] ، فلا يتَقرّب أحَدٌ إلى الله تعَالى ولا ينالُ رضوانَه إلاّ بأن يعمَلَ الطاعةَ على نورٍ مِنَ الله، ويترك المعصية على نور من الله، فلا يَبتدِعُ في دينِ الله، ولا ينحرِف عن شرعِ رسول الله ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله: (( مَن عمِل عملاً ليس عَليه أمرُنا فهو ردّ ) )رواه مسلم (2) [2] ، و (( من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) )رواه البخاري ومسلم من حديثها (3) [3] .

وروحُ العبادةِ والقُرُبات وشرط قَبولها هو الإخلاص، فالإخلاص هو عمَلُ القلبِ الذي يحبّه الله ويرضاه، والإخلاص هو الذي يزكِّي الأعمال ويطهِّرها وينمِّيها، فيبارك الله فيها وينفَع بها، ويجزِل الله به الثوابَ، والإخلاص هو الذي كلَّف الله بالتزامِه العباد، وهو الذي ابتَلاهم الله به ليحقِّقوه فيثابوا، أو يضيِّعوه فيعَاقَبوا، قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] ، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7] ، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] ، قال ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسيره:"ولم يقل: أكثر عملاً بل أحسن عملاً، ولا يكون العمَلُ حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجلّ على شريعةِ رسول الله ، فمتى فقَد العمل واحدًا من هذين الشّرطين حبط وبطل"اهـ (4) [4] ، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه في تفسير لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً:"أَخلَصُه وأصوَبُه، فإذا كان العمل خالصًا ولم يكُن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، فلا بدّ أن يكون خالصًا صوابًا" (5) [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت