فهرس الكتاب

الصفحة 9032 من 9994

وقد أمر الله بالإخلاص في الطاعاتِ والفرائض وفي كلِّ ما يأتي المسلم ويذَر مما أمر الله به أو نهى عنه، فقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] ، وقال تعالى: فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2، 3] ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمِعت رسولَ الله يقول: (( إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينكِحها فهِجرته إلى ما هاجَر إليه ) )رواه البخاري ومسلم (6) [6] .

ومعنى الإخلاص نَقاءُ النيّة والعَمَل وتصفيَتُهما من كلِّ خَلط وشائبة تُبطِل النيّة أو تبطِل العملَ أو تقدَح في كمالِ النية أو العمَل من الإرادات الفاسدَةِ كالرياء والسُّمعة والعُجب وكالبِدَع المحدثة، فالنّيةُ الصادِقة والعمَل المخلصُ كاللّبن الخالص الذي لم يختلِط بالفرثِ والدّم المذكور في قوله الله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66] .

والعمَلُ يكونُ بصورةٍ واحدة، ويختلِف حكمه بحسَب النية الصادقة والإخلاصِ أو نيةِ السوء والمخادَعَة فيه، فالمخلِص في عَمَله من المقرَّبين، والمخادِع المدخولُ النية من المبعَدين المعذَّبين، فهؤلاء قومٌ يصلّون مع رسول الله ويجاهِدون معه بإخلاصٍ فهم بأفضلِ المنازل رضي الله عنهم ورَضوا عنه، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11] ، وقال الله عن هؤلاء الصحابةِ رضي الله عنهم: لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:88، 89] .

وقَومٌ آخرون مِنَ المنافقين يُصلّون مع رسول الله ويجاهِدون، لكنّهم فقَدوا الإخلاصَ والإيمانَ، فهم بشَرِّ المنازل، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145] ، فصورةُ العملِ واحدة، ولكنّ المخلِصين مقرَّبون فائزون، والمرائِين مبعَدون خاسرون.

وهذا قتيلُ معركةِ الجِهاد في سبيلِ الله وقارِئ القرآن ومنفِقُ المال في سبيل الخير، جعَلهم الله تعالى فَريقَين: فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، فمن أخلَصَ لله في عمَلِه رَفعَه الله درجات، ومن عمِل قُربةً رياءً وسمعة، وضَعَه الله دَرَكات، عن أنس رضي الله عنه أنَّ أمَّ حارثة بن سُراقة أتَت رسولَ الله فقالت: يا رسولَ الله، ألا تحدِّثني عن حارثَةَ؟ ـ وكان قُتل يوم بدر ـ فإن كان في الجنّة صَبرت، وإن كان في غَير ذلك اجتهَدتُ في البكاءِ عليه، فقال: (( يا أمَّ حارثة، إنها جِنَان في الجنّة، وإنّ ابنَك أصابَ الفردوسَ الأعلى ) )رواه البخاري (7) [7] ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبيِّ قال: (( يقال لصاحب القرآن: اقرَأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ ترتِّل في الدنيا؛ فإنَّ منزلَتَك عند آخِرِ آيةٍ تقرؤها ) )رواه أبو داود والترمذي وقال:"حديث حسن صحيح" (8) [8] ، وعن أبي كبشة عمرو بن سعدٍ الأنماريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إنما الدّنيا لأربعة نفَر: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتّقي اللهَ ويصِل فيه رَحِمه ويَعلَم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رَزَقه الله علمًا ولم يرزُقه مالاً، فهو صادِق النية يقول: لو أنَّ لي مالاً لعمِلتُ بعمَل فلان، فهو نيّته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزَقَه الله مالا ولم يرزقه عِلمًا، فهو يخبِط في ماله بغيرِ عِلم، لا يتّقي فيه ربَّه ولا يصِل فيه رحِمه ولا يعلَم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبَثِ المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعمِلت فيه بعمل فلان، فهو نيّتُه فوِزرُهما سواء ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح" (9) [9] .

فتدبَّر ـ أيها المسلم ـ هذه الأعمالَ الصالحة التي أريد بها وجهُ الله والدار الآخرة وكان الإخلاص روحَها ومبناها كيف صارَ صاحبُها منَ الفائزين المقرَّبين، ثم تدبَّر هذه الأعمالَ نفسَها لمّا تجرَّدت من الإخلاص وخالَطَها الرّياء كيف صار صاحبُها من المطرودِينَ الخاسرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله يقول: (( إنّ أوّلَ الناس يُقضَى يومَ القيامة عليه رجلٌ استُشهِد، فأتِيَ به فعرَّفَه الله نعمَتَه فعَرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فيك يا ربِّ حتى استُشهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنّك قاتلتَ لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرَأَ القرآنَ، فأتِيَ به فعرَّفَه نعَمَه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتَ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنّك تعلَّمتَ ليقال: عالم، وقرأتَ القرآنَ ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أمِرَ به فسُحِب على وجهه في النار، ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصنافِ المال، فأتِيَ به فعرّفه نِعَمَه فعَرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبّ أن تنفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنّك فعلت ليقال: جواد فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهِهِ حتى أُلقِيَ في النار ) )رواه مسلم (10) [10] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعَد بشفاعتِك؟ قال: (( من قال: لا إلهَ إلا الله خالِصًا من قلبه ) )رواه البخاري (11) [11] .

فأينَ هذا الذي يقولها عالمًا بمعناها عاملاً بمقتَضاها مخلصًا مجتهدًا ممن يقولها رياءً أو يقولها عادَةً وتقلِيدًا لا يعرفُ معناها ولا يعمَل بمقتضاها؟! ولو ذكَرنا أنواعَ الأقوال والأفعال التي تتَّفِق في الصورةِ وتختلِف في الحقيقةِ والجزاءِ بالإخلاص أو عدَمه لطال الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت