فكونوا ـ عبادَ الله ـ من المخلِصين؛ فإنهم في كنَفِ الله وحِفظِه ورِعايتِه وعِصمتِه، قد نجّاهم الله من مكائِدِ الشيطانِ وحَسرَة الخسران، وآواهم إلى حِزبِه المفلِحين، قال الله تعالى عن إبليس: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39، 40] ، وقال تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] ، وقد قرأها ابنُ كثير وأبو عمرو البصرِي وابن عامر بكسر اللام إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ، ومَن قَرَأها بفتح اللام وهم نافع والكوفيّون فمعناه: مَن اختارَهم الله لاتِّصافهم بالإخلاصِ. وشرَط الله تعالى لتوبَةِ التائبين تحقيقَ الإخلاص في أعمالهم فقال تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146] .
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ: (من خلُصت نيّته كفاه الله ما بينه وما بين الناس) (12) [12] ، وقال عليّ رضي الله عنه: (لا تهتمّوا لقِلّة العمل، واهتمّوا للقَبول) (13) [13] ، وقال بعض العُبّاد:"إنَّ لله عبادًا عَقَلوا، فلمّا عَقَلوا عمِلوا، فلمّا عمِلوا أخلَصوا، فاستدعاهم الإخلاصُ إلى أبوابِ البرِّ جميعًا" (14) [14] .
أيّها المسلمون، تمسَّكوا بهذا الركنِ العظيم، تمسَّكوا بالإخلاص، فابتَغُوا بأعمالِكم وجهَ الله والدار الآخرة، وأخلِصوا لله نيّاتكم وإراداتكم، وتقرَّبوا إلى الله بما شرَعَه الله عزّ وجلّ، وإيّاكم والبدَعَ في القُربات فكلّ بدعةٍ ضلالة.
ويُستَحَبّ للمسلم أن يفعلَ المباحَ بنيّة ثوابِ الله عليه، فإذا فعَل المباحَ بنيّة الأجرِ من الله ضاعفَ الله له الثوابَ، عن سعد بنِ أبي وقّاص رضي الله قال: قال رسول الله: (( وإنّك لن تنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرت عليها حتى ما تجعَل في في امرأتِك ) )رواه البخاري ومسلم (15) [15] .
قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] .
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهديِ سيّد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله العزيزِ الغفورِ، العليمِ بذات الصدور، أحمد ربي سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له الحليم الشّكور، وأشهد أنّ نبيَّنا وسيّدَنا محمّدًا عبده ورسوله، أرسَلَه الله رحمةً للعالمين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أمّا بعد: فاتقوا الله ـ عبادَ الله ـ في السرِّ والعلانية؛ فإنه يعلَم ما في قلوبكم ويرى أعمالَكم.
أيّها المسلمون، اصدُقوا اللهَ في طلبِ مرضاته، واحذَروا غضَبَه ونِقمته بالبُعد عن محرَّماته، وألزِموا قلوبَكم الإخلاصَ في دينكم؛ فإنّه منهجُ نبيّكم، وبه تزكو أعمالكم وتُرفَع درجاتُكم وتستنير سرائركم، قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:11-14] ، وعن جُبير بن مطعِم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله: (( ثلاثٌ لا يغِلّ عليهنّ قلبُ امرئٍ مسلم: إخلاص العمَلِ لله، ومناصَحَة ولاةِ الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين ) )رواه أحمد (16) [1] ، ومعناه أن هذه الثلاثَ الخلال تصلِح القلوبَ، فمن تمسَّك بها طهُر قلبُه من الخيانة والغلِّ والشرّ والدّغَل والفُرقة والنّفاق.
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليَّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم...
(1) صحيح البخاري: كتاب الاعتصام (7288) ، صحيح مسلم: كتاب الفضائل (1337) .
(2) صحيح مسلم: كتاب الأقضية (1718) .
(3) صحيح البخاري: كتاب الصلح (2697) ، صحيح مسلم: كتاب الأقضية (1718) .
(4) تفسير القرآن العظيم (2/439) .
(5) أخرجه أبو نعيم في الحلية (8/95) .
(6) صحيح البخاري: كتاب بدء الوحي (1) ، صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1907) .
(7) صحيح البخاري: كتاب الجهاد (2809) .
(8) سنن أبي داود: كتاب الصلاة (1464) ، سنن الترمذي: كتاب فضائل القرآن (2914) ، وأخرجه أيضا أحمد (2/192) ، والنسائي في الكبرى (8056) ، والحاكم (2030) ، والبيهقي في الكبرى (2/53) ، وصححه ابن حبان (766) ، وقواه الألباني في السلسلة الصحيحة (2240) .
(9) سنن الترمذي: كتاب الزهد (2325) ، وأخرجه أيضا أحمد (4/231) ، وابن ماجه في الزهد (4228) ، وصححه ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/537) ، والألباني في صحيح الترغيب (16، 869) .
(10) 10] صحيح مسلم: كتاب الإمارة (1905) .
(11) 11] صحيح البخاري: كتاب العلم (99) .
(12) 12] رواه هناد في الزهد (859) ، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (1/50) عن عامر الشعبي قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري وذكره.
(13) 13] انظر: إحياء علوم الدين (4/376) .
(14) 14] انظر: إحياء علوم الدين (4/379) .
(15) 15] صحيح البخاري: كتاب الإيمان (56) ، صحيح مسلم: كتاب الوصية (1628) .
(16) مسند أحمد (4/80، 82) ، وأخرجه أيضا ابن ماجه في المناسك (3056) ، الدارمي في المقدمة (229) ، والبزار (3417) ، وأبو يعلى (7413) ، والطبراني في الكبير (2/126، 127) ، وصححه الحاكم (294، 295، 296) ، وقال الهيثمي في المجمع (1/139) :"في إسناده ابن إسحق عن الزهري وهو مدلس، وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون"، وهو في صحيح سنن ابن ماجه (2480) ، وانظر: السلسلة الصحيحة (404) . قال الحاكم:"وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم وغيرهم عدة"، ومنهم: أبو سعيد الخدري وأبو الدرداء والنعمان بن بشير وأبوه بشير وأبو قرصافة وجابر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، انظر: مجمع الزوائد (1/137-140) . وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة.
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-شرطا قبول الأعمال. 2- العلامة الفارقة بين المخلص لله في عمله وبين المرائي. 3- ثمار الإخلاص. 4- الوصية بالإخلاص في كل الأحوال.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.