فهرس الكتاب

الصفحة 9034 من 9994

عباد الله، إنّ الإخلاص لله في القول والعمَل شرطٌ لقبول العمل، فالعمل لا يقبَل عند الله إلا إذا كان خالصًا لله يبتغِي به عاملُه وجهَ الله والدار الآخرة وكان هذا العملُ على وفقِ ما دلَّ عليه كتابُ الله وسنّة محمّد ، قال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَ [الكهف:110] ، وقال: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاةَ وَيُؤْتُواْ الزكاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ [البينة:5] .

أيّها المسلم، إنّ إخلاصَك لله في العمل دليل على قوّة الإيمان في قلبك، فإنّ المخلصَ لله في أعماله يدلّ [إخلاصه] على قوّة إيمانه وصدقِ يقينِه. إنّ الإخلاص لله في العمَل يدعو إلى مواصلةِ العمل والاستمرار والاستقامةِ عليه، أمّا المرائي في أعماله فإنّه سرعانَ ما يقطع أعمالَه وينحرف عن سلوكه الطيّب؛ لأنّ المرائي إنما يعمل لأجلِ الناس ولأجل ثنائهم عليه ومدحهم له ومعرفتهم لمكانتِه، ولكن إذا خلا بينه وبين الله فلا تجِده يعمل خيرًا ولا يقدّم خيرًا؛ لأنّ أعماله ليست لله، ولكنها لأجلِ الناس، وذاك شبّه بالمنافقين كما قال تعالى: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142] ، فهم لا يعملون لله، لا يعملون لأجل الله، إنما يعملون لأجل أن يَرى الناس أعمالهم، إذا لم يرهم أحد فهم أكسلُ الناس عن الطاعة وأبعدُهم عن كلّ خير.

فيا أخي المسلم، أخلِص لله أعمالَك كلَّها لتكون من الفائزين في الدنيا والآخرة. إنّ البشرَ لا ينفعونك، وإن أثنوا عليك اليوم فلا ينفعونَك غدًا، الغايةُ أن يثنُوا عليك ثناءً ينقضي [بذهاب يومك] ، ولكن المسلمَ يرجو ثناءَ الله عليه، ويرجو أن يثيبَه الله، ويرجو أن يحقّق الله له وعدَه الذي وعد به الصادقين المخلصين.

أيّها المسلمون، الإخلاصُ عزيز على النفوس إلاّ من أعانه الله على نفسِه وأيقن بأنه ملاقي الله ورجا ما عند الله من الثواب، فتراه مخلِصًا لله في أعماله، يعمَل العملَ لأجل الله، ويعمل العملَ ليرجوَ به ثواب الله. ومن رحمة الله على المؤمن أنّ أعماله تكون دائمًا ثوابًا له حتى الأعمال المباحَة وما فيه لذّةُ نفسه وراحتُها إذا قصد بها وجهَ الله، فإنّ الله يجعل كلَّ الأشياء له أعمالاً صالحة يجري له ثوابها بفضلِ الله ورحمته.

أيّها المسلم، فعليك أن تخلصَ لله في أقوالك وأعمالك كلِّها، اصدُقِ اللهَ في أعمالك، فإنّ الصدقَ نجاة، فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ [محمد:21] .

أيّها المسلم، أعظم شيءٍ توحيدُ الله وعبادته، فالمسلم يعبُد الله مخلصًا له الدّين، يعبد الله وحدَه لا شريك له، ينطِق بكلمةِ التوحيد:"لا إله إلا الله"، ينطق بها مخلِصًا لله فيها، موقنًا بذلك، مصدِّقًا ومنقادًا، لا يقولها رياءً ولا سمعة، لا يقولها مقالةَ من يخالف مقتضاها وما دلَّت عليه، وإنما يقولها قولَ من كان مصدِّقًا موقنًا بها حقًّا، ولهذا قال الله لنبيّه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] ، فاعلم أنه لا إله إلا الله، فالمسلم ينطِق بهذه الشهادة عن يقينٍ وصدق وإخلاص لله، يقول: (( فإنّ الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ) (1) [1] ، ولهذا من كان آخر كلامه من الدنيا"لا إله إلا الله"دخل الجنة.

كم يقول المنافقون"لا إله إلا الله"، ولكنّهم يقولونها رياءً وسُمعة، قد فقِد الإخلاصُ من نفوسهم، فلا تنفعهم هذه الكلِمة ولا تفيدهم شيئًا، قد يقول"لا إله إلا الله"من يعبد غيرَ الله، ويلجأ لغيرِ الله، ويعكفُ على قبورِ الأموات، ويطوف بهم، لا تنفعه"لا إله إلا الله"؛ لأنه لم يعمَل بمقتضاها وما دلّت عليه من وجوبِ إخلاص الدين لله وإفرادِ الله بكلّ أنواع العِبادة.

أيّها المسلم، أخلِص لله توحيدَك لتكونَ من الناجين من عذاب الله.

أيّها المسلم، أخلِص لله سائرَ أعمالك لتكونَ مقبولةً عند ربّك جلّ وعلا.

وللإخلاصِ أثرٌ في الأعمال الصّالحة، فلا بدَّ للعمل من نيّة، إنما الأعمال بالنيات، ولا مدّعي للإخلاص، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فليس لك من عملك إلاّ عملاً أخلصتَه لله وقصدتَ به وجهَ الله والدار الآخرة، وأيُّ عمل صالح أردتَ به غيرَ ذلك فإنك تعذَّب به يومَ القيامة.

وقد بيَّن لنا نبيّنا حالَ الثلاثة الذين تسعَّر بهم النّار يومَ القيامة، ذكر منهم ثلاثة، هؤلاء الثلاثة أتَوا بأعمالٍ صالحة، لكنهم لم يريدوا بها وجهَ الله، فعذِّبوا بذلك يومَ القيامة، يقول: (( إنّ أوّلَ من يقضَى عليه يومَ القيامة رجلٌ استُشهِد في سبيل الله، فأتِيَ به فعرَّفه الله نِعمَه فعرفها، قال: ما عمِلتَ؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهِدتُ، قال: كذبتَ، ليقال: جريء، فقد قيل، ثم أمِر به فسحِب على وجه إلى النار. فيؤتَى بالمتعلّم وقارئ القرآن، فيوقف بين يدَيِ الله، فيعرِّفه نعمَه فيعرفها، فيقول: ماذا عملتَ؟ قال: تعلَّمت فيك العلمَ وعلَّمته وقرأتُ فيك القرآن، فيقال: كذبتَ، ليقال: عالمٌ، فقد قيل، وليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمِر به فسحِب على وجهه إلى النار. وآخر يؤتَى به قد أعطاه الله من أصنافِ الأموال، فيعرِّفه الله نعمَه فيعرِفها، يقول: ماذا عملت؟ يقول: يا ربّ، ما تركتُ سبيلاً تحِبّ أن ينفَقَ فيه إلاّ أنفقتُ فيه، فيقال: كذبتَ، ليقال: مصدّق، فقد قيل، ثم أمِر به فسحِب على وجهه إلى النار ) ) (2) [2] .

فليحذرِ المسلم من أن تكونَ أعماله حابطةً من حيث لا يشعر، قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحياةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104] . ولذا عبادُ الله المتّقون يخافون على أنفسِهم أن ترَدّ عليهم أعمالهم، يقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:57-60] ، يعملون الأعمالَ الصالحة ويتقِنونها ويخافون أن لا يُتقَبَّل منهم لخوفِهم على أعمالهم وحَذَرهم من الرياء وعلمهم أنّ الرياءَ إذا صحِب العملَ الصالح أبطله.

أيّها المسلمون، أخلِصوا لله أعمالَكم لتكونَ مقبولةً عند ربّكم، والإخلاصُ في كلّ أنواع العبادات، فمن ذلكم الصلاة، فلا بدّ من إخلاصٍ لله فيها، وقد بيَّن صفةَ الرّياء: (( يقوم الرّجل فيصلِّي فيزيّن صلاته لأجلِ نظر رجلٍ إليه ) ) (3) [3] ، وهذا من الرياءِ الذي إذا قارنَ العملَ الصالح أحبطه، ولذا أمرنا بالإخلاصِ لله في الصّلاة، ففي حديثِ الوضوء قولُه: (( ما مِن مسلمٍ يتوضّأ نحو وضوئي هذا ثم يصلّي ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسَه إلاّ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه ) ) (4) [4] ؛ لأنه أخلصَ لله في صلاته، فلم يحدّث نفسه بأحاديثِ الدنيا، بل أقبل على صلاته بقلبه. وفي السجود يقول: (( ما مِن مسلمٍ يسجد لله سجدةً إلا رفعَه الله بها درجةً وحطَّ عنه بها خطيئة ) ) (5) [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت