فهرس الكتاب

الصفحة 9035 من 9994

أيّها المسلم، أخلِص لله في أعمالك الصّالحة، بناءُ المسجدِ عملٌ صالح، من بناه لله بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن بناه رياءً وسمعة ليبقى اسمُه ويخلَّد ذكره فليس له إلاّ ما نوى من ذلك، يقول: (( من بنى لله مسجدًا بنى الله له مثله في الجنة ) ) (6) [6] . (( من بنى لله ) )دلّ على أن البناءَ إنما قصِد به وجهُ الله، ولم يقصَد به أمرٌ من الأمور.

أيّها المسلم، أخلِص لله في إتيانك إلى المسجد، فإنّ إتيانَ المسجد لأداء صلاة الجماعة عبادة لله، فمن أتاها مخلِصًا لله نال الثوابَ العظيم، يقول: (( صلاةُ الرجل في الجماعة تفضُل على صلاته في بيته خمسًا وعشرين درجة، وذلك أنّه إذا توضّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلاّ الصلاة لا ينهزه إلاّ الصلاة.. ) ) (7) [7] ، دلّ ذلك على أنّ هذا الثوابَ مرتَّب على من أتى المسجدَ مخلِصًا لله في إتيانه.

أيّها المسلم، أخلِص لله حبَّك لإخوانك المسلمين، فلتَكُن محبّتك لله وفي سبيل الله، فتلك المحبّة الصادقة الباقية، الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] ، وفي حديث السبعة الذين يظلُّهم الله تحت ظلِّ عرشه يومَ لا ظل إلا ظلّه: (( رجلان تحابّا في الله، اجتمعا على ذلك ثمّ افترقا عليه ) ) (8) [8] ، فالمحبّة إنما هي في الله ولأجلِ الله. (( زار رجلٌ أخًا له في الله، فأرصَد الله في مدرجته ملكًا يسأله: لماذا زرتَه؟ هل له نعمةٌ تَربُّها؟ قال: لا، إنما زرته لأجلِ الله، قال: إني رسولُ ربي إليك أنّ الله يحبّك ) ) (9) [9] .

أيها المسلم، أخلِص لله صدقتَك، ولتكن صدقاتُك لله، لا تبتغي بها رياءً ولا سمعة، اسمع الله يقول: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا [الإنسان:8، 9] .

أخلِص لله إخراجَ الزكاة، أتَى رجل النبيَّ يسأله عن أركان الإسلام، فبيَّن له الصلواتِ الخمس، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: (( لا، إلاّ أن تطّوَّع ) )، وذكر له الزكاةَ والصيام فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: (( لا، إلاّ أن تطّوّع ) )، فلما ولّى قال: والذي بعثك بالحقّ، لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال: (( أفلَح وأبيه إن صدَق ) )، أو (( دخل الجنّة إن صدق ) ) (10) [10] . فالصّدق والإخلاص نفعَه مع اقتصاره فقط على الواجبات.

أيّها المسلم، النيّة أيضًا في الصيام لها أثرُها، يقول: (( من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفَر الله له ما تقدَّم من ذنبه ) ) (11) [11] ، (( إيمانًا واحتسابًا ) ): إخلاصًا وطلبَ الثواب من الله. وفي ليلة القدر: (( من قامَها إيمانًا واحتسابًا غفَر الله له ما تقدّم من ذنبه ) ) (12) [12] .

أيّها المسلم، إذا حلّت بك مصيبةٌ فاحتسِب واصبر صبرًا تريد به وجهَ الله، فإنّ ذلك هو الذي ينفعك، يقول عن ربِّه أنه قال: (( ما جزاءُ عبدي المسلم إذا قبضتُ صفيَّه من الدنيا فصبَرَ إلاّ الجنة ) ) (13) [13] ، صبر على قضاءِ الله مخلِصًا لله في ذلك.

أيّها المسلم، إنّ تناولك الملذّات والمباحات ومُتَع النفس يعطيك الله بها ثوابًا مع إخلاصك لله في ذلك، يقول: (( وفي بُضع أحدكم صدقة ) )، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟! قال: (( أرأيتُم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ) (14) [14] ، فبيَّن أن إتيانَ الرجل امرأتَه وقضاءَه وطرَه إذا أرادَ به عفّةَ نفسه وعفةَ امرأتِه وغضَّ بصره وبصرِ امرأته أنّ الله جل وعلا يثيبه على هذا العمل ولو كان فيه متعةٌ للنفوس، إذا قصد بذلك وجهَ الله جمع الله له بين التنعُّم في الدنيا والثوابِ في الآخرة، والله ذو الفضل العظيم.

أيّها المسلم، اتّباع الجنازة والصلاةُ عليها والمشي معها حتى تدفَن عملٌ صالح وخيرٌ يتقرَّب به العبدُ إلى الله، ولكن قد يكون اتباع الجنازة والصلاةُ عليها والسّعي معها حتى تدفَن يرادُ به مجاملةُ الإخوان وإكرامُ الأصحاب، وليس يراد به وجه الله، فلك من نيّتك ما قصدتَ، وإن أردت بذلك ابتغاءَ وجه الله وما تتقرّب به إلى الله فأبشر بالثوابِ العظيم، يقول: (( من تبِع الجنازةَ إيمانًا واحتسابًا حتى يصلَّى عليها وتدفَن فله [قيراطان] ) ) (15) [15] ، فجعل الصلاةَ والاتّباع إذا كان بنيّة واحتساب له قيراطان، وإن صلّى عليها فقط فله قيراط، هذا إن قصد بهذا العملِ وجهَ الله والدار الآخرة، عرف ذلك الميّتَ أو لم يعرفه، وأمّا إن قصد به المجاملةَ والاعتبارات الأخرى فإنّ له من أعمالِه ما قصَد.

أيّها المسلم، برُّ الوالدين عملٌ صالح، ولكن قد يبرّ أبويه مجاملةً وحياءً من الناس، وقد يبرّ بالأبوين طاعةً لله وابتغاءً لثوابه، فالثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرةُ حتى لم يستطيعوا أن يخرجوا توسّلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فكان منهم من قال: (( اللهمّ كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أغبق قبلهما أهلاً ولا ومالاً، فنأى بي طلبُ الشجر، فلم آتيهما حتى ناما، فحلبتُ غبوقهما، وجلست أنتظرهما حتى برقَ الفجر والصِّبية يتضاغَون تحتي، فما قدّمتُ عليهما أحدًا حتى قامَا فشربا. اللهمّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُج عنا ما نحن فيه، فانفرَجت الصخرة شيئًا ) ). المهمّ أن تبرَّ الوالدين، لمَّا برَّهما ابتغاءَ وجهِ الله صار ذلك تفريجًا لهمِّه وإزالةً للغمّ، كلّ ذلك بفضل الإخلاص.

أداؤك الحقوقَ لأهلها بالإخلاص يجعله الله سببًا لنجاتك من المكارِه، ففي قصّة الثلاثة: (( ورجل قال: اللهمّ استأجرتُ أجراءَ فأعطيتهم كلَّهم أجرَهم إلا واحد، ترك الذي عليه وذهب، فثمّرتُه له حتى جاءَ فقال: يا عبد الله، أعطني حقّي، فقلت: ما ترى من رقيقٍ وإبل وبقر وغنَم فهو لك، قال: أتستهزئ بي؟ قلت: لا، فأخذَ الكلَّ ولم يعطِني شيئًا. اللهمّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج عنّا، ففرّج الله عنهم جزءًا من ذلك ) ).

أيّها المسلم، كفُّك عن محارم الله إخلاصًا لله ينجِّيك الله به، ففي حديث الثلاثةِ قال أحدهم: (( كان لي ابنةُ عمّ كنتُ أحبّها أعظمَ ما يحبّ الرجال النساء، وراودتها عن نفسِها فأبت حتى ألمّت بها سنة، فأتتني وأعطيتُها عشرينَ دينارًا على أن تخلّيَ بيني وبين نفسِها، فلمّا تمكّنتُ منها قالت: اتّقِ الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقِّه، فقمتُ عنها وتركتُ الدنانير لها. اللهمّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرَجت الصخرة وخرجوا يمشون ) ) (16) [16] . هذه أعمالٌ صالحة أخلصوها لله، فنفعتهم يومَ الحاجة إليها.

أيّها المسلم، أخلص لله في أقوالك وأفعالك، أخلِص لله مرادَك في القول والعمل، فإنّ الله مطَّلع عليك وعالمٌ بالسرائر والضمائر، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ [غافر:19] ، وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة:235] .

أسأل الله لي ولكم عملاً صالحًا خالصًا، إنّه على كلّ شيء قدير.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت