الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
أيُّها المسلمون:
أيُّها المسلمون: فيقولُ اللهُ تعالى في كتابهِ الكريم: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ) (يونس:57) فالقرآنُ شفاءٌ لما في الصدورِ من الهِّم والحُزن, لما قد يُصيبُ الإسلامَ وأبناءَهُ المخلصين من ظلمٍ الطغاة, واستبدادِ المتغطرسين, وما تلك المواقفُ التي عرضَهَاَ القرآن, أبدى وأعادَ الحديثَ حولها ,إلا لتثبيتِ القلوب, وشفاءِ الصدور, وتمحيصِ الصفوف, وليعلمَ المؤمنون الصادقون أنَّهُ مع التقوى والصبر, وصدق اللجوءِ إلى الله سبحانه, لا يضرُ كيدُ الكائدين ، ولا بطشُ المتسلطين، (( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (آل عمران: من الآية120) والتاريخُ شاهدٌ حيٌّ يشهدُ بمصرعِ الطغاةِ واحداً بعد الآخر, فكم من طاغوتٍ طغى وتَجبر, ثُمَّ ما لَبَثَ أن انطفا, ثم أنزوي أُخذَ جثةً هامدةً منتنةً، وأُلقي في حفرةٍ ضيقةٍ موحشة, يأكلُهُ الثرى ويأكلُه الدود, ونُسي ذكُرهُ, وأصَبَحَ أثراً بعد عين, (( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) ) (سبأ: من الآية19) .
لكن ما حيلتُنا إذا كان الطغاةُ جهلةً لا يقرؤون, عمياً لا يُبصرون, صماً ولا يسمعون . (( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) ) (لأنفال:23) .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا, ويقيناً صادقاً, وتوبةً قبلَ الموتِ, وراحةً بعد الموتِ, ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة, ولا فتنةً مضلة,
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ, واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين, يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه, إمام المتقين, وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور, وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون
إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستهديهُ ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله- صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم- تسليماً كثيراً. ثُمَّ أمَّا بعد:
أمةَ الإسلام:
لا يزالُ الصراعُ بينَ الحقِ والباطلِ، بينَ النورِ والظلمةِ، بين الهدايةِِ والغوايةِِ، بين الإسلامِ والكفر، مستمراً إلى يومِ القيامة، هذا الصراعُ يعلو فيهِ أهلُ الإيمانِ غالباً، وفي بعضِ الأحايينِ يُصابون بالهزيمة، وما ذاكَ إلاَّ بسببِ ما أحاطَ بهم من عواملِ تأخرِ النصر، ونتيجةً لهذا الصراعِ فإنَّ اللهَ تعالى يصطفي من يشاءُ من عبادِه، فمنَّا من يفوزُ بشرفِ الشهادةِ في سبيلِ الله تعالى، ومنَّا من يُكلمُ كَلْماً في سبيلِ الله تعالى، فتسبقُ بعضُ أعضائهِ إلى الجنةِ، ومنَّا من يُؤسرُ ويقعُ في أيدي عدوِنا، وهذهِ طبيعةُ المعاركِ، وميادينُ الجهاد، ومن يُقلبُ صفحاتِ التاريخِ ويُسائِلُها عن ذلكَ، فإنَّها ستحدُثهُ عن هذهِ الطبيعةِ والتي تُعدُّ أمراً طبعياً لا غرابةَ فيه، فكمْ قُتِل من أبطال، وكم جُرحَ من رجال، وكم أُسرَ من فُرسَان، فهل وهنتْ نُفُوسُهُم، وهل جبُنتْ قُلوبُهم، ويا تُرى هل تسربَ الوهنُ والإحباطُ إلى قُلوبِهم من جراءِ وقُوعهِم في الأسر ؟!! هذا خبيبٌ- رضي الله عنه- وقعَ أسيراً في أيدي المُشركينَ، فخرجُوا بهِ من الحرمِ ليقتلوه، فقال: دعُوني أُصلي ركعتين، ثم انصرفَ إليهم قائلاً: لولا أن تروا أنَّ ما بيَ جزعٌ من الموتِ لزدتُ، فكانَ أولَ من سنَ الركعتينِ عند القتلِ، ثُمَّ قال: اللهمَّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ثم قال:
ولستُ أُبالي حين اُقتلُ مسلماً على أيِّ شقٍ كانَ في اللهِ مصرعي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإن يشأْ يُباركْ على أوصالِ شلوٍ مُمزقِ
ثُمَّ قَامَ إليهِ عُقبةُ بن الحارثِ فقتله، بل إنَّ اللهَ تعالى قد يلطُفُ بهذا الأسيرِ ويمنُ عليهِ بما يُثبتُ فؤاده، فخبيبٌ- رضي اللهُ عنهُ- عندما سُجنَ تقولُ إحدى النساءِ عنه: ما رأيتُ أسيراً قط خيراً من خُبيب، لقد رأيتهُ يأكلُ من قطفِ عنبٍ وما بمكةَ يومئذٍ من ثمره، وأنَّهُ لمُوثقٌ في الحديدِ، وما كانَ إلاَّ رزقاً رزقهُ اللهُ !!
وقد يُعذَبُ الأسيرُ ويُهان ويُبتلى، ليرفعَ الله منزلَتَه، ويُعلي مكانتَه، يقولُ اللهُ تعالى: (( أَلَمْ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) (سورة العنكبوت 3:1)
أمةَ الإسلام:
هؤلاءِ الأسرى الذين وقعُوا في أيدي عدوِنا، أسرى في فلسطينَ، وأسرى في كُوبا وغيرِها من مناطقِ العالم، هؤلاءِ الرجال، هؤلاءِ الذينَ خرجوا لرفعِ رايةِ الجهاد، هؤلاءِ الذين خرجُوا لنُصرةِ إخوانهم، والدفاعِ عن حُرماتِ المسلمين، والذبِّ عن أعراضِهم، يومَ تخاذلَ الكثيرون، هؤلاءِ لهم حقٌ على الأمةِ أن يسعوا لنجدتِهم، والوقوفِ في محنتهِم، ها هُو رسولُ الله r يأمرُ أمتُه بقوله:
(( فكّوا العاني ) )أي الأسير، قالَ الإمامُ مالك- رحمهُ الله-: واجبٌ على الناسِ أن يفدوا الأسارى بجميعِ أموالهمِ، وهذا لا خلافَ فيهِ لقولهِ- عليه السلام-: (( فكّوا العاني ) ).
وقد قال علماءُ الإسلام:
لو أنفقتِ الدولةُ خزينتَها على فداءِ أسرى المسلمينَ من الكفارِ ما كانَ هذا كثيراً، نعم ما كانَ هذا كثيراً، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن يُهانَ مسلمٌ تحت علجٍ من علوجِ النصارى الحاقدين، لقد رأيتم ورأينا ورأى العالمُ مقاطعَ من المأساةِ التي يعيشُها إخوانُنا في كُوبا، لقد نُقلوا إلى هُناكَ بعدَ أن حَلقُوا رُؤوسَهم ولحاهم، وجردوُهم من كلِ لباس، وأوثقوُهم من أعلى رؤوسِهم إلى أخمصِ أقدامهمِ، وقد عصبُوا عيونَهم، ونقَلُوهُم من باكستانَ إلى كوبا، في طائرةٍ للبضائعِ، لقد حَرَمُوهُم حتى من حَواسِهم، فأيُّ كرامةٍ للإنسان، وأيُّ كرامةٍ للإنسانِ أن يُوضعَ في أقفاصٍ حديدية، والتي تُذكِّرُ رؤيُتها بأقفاصِ الحيوانات، لا يخرجُ منها لقضاءِ حاجتهِ إلاَّ مرةً واحدة، وللتحقيقِ مراتٍِ عديد، يخرجُ مكبلَ اليدينِ والقدمين، خافضَ الرأسِ، منكسرَ النفسِ، تجولُ في خَواطِرهِ أين عهدُ المسلمين؟