فهرس الكتاب

الصفحة 8535 من 9994

وحين أخفقَ النصحُ والوعظُ الجميل, كانت النهايةٌ سريعةً, والضربةُ قاصمة, (( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ) ) (الكهف:43,42) .

ويعرضُ القرآنُ الكريم مثالاً آخر، أشدَّ رعباً من سابقه, متجسداً في شخصيةِ قارون, وذلك الطاغيةِ البائسِ الذي وهََبَهُ اُلله تعالى من الكنوزِ ما إنَّ مفاتحهُ لتنوءُ بالعصبةِ أولي القوة ، فيتناسَ الجاحدُ اللئيم, أنَّ ما يتمتعُ به من المالِ والثراءِ العريض هو فضلٌ من اللهِ ونعمة, بل انَّهُ لينسبُ تلكَ الثروةَ الطائلهَ لنفسهِ, وذكائهِ وعلمه. (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) ) (القصص:78) .

حتى إذا بلغَ الطغيانُ غايتهَ, والفجورُ نهايتَهُ, كانت النهايةُ العاجلة, والضربةُ القاصمة، (( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ) ) (القصص:81) .

فهل يعي أربابُ الثراءِ وأصحابُ الأرصدةِ هذه الدروس, أم لازالوا في غيهم ؟ ! تُجيكَ آلافٌ المشروعاتِ الإسلاميةِ المعطلة من مساجدَ ومدارسَ, وجامعاتٍ لا تجدُ من يتصدى لإنشائها , وتجيكَ معسكراتُ التنصيرِ المنتشرةُ في عقرِ ديارِ المسلمين, تستغلُ الفقر والجوع والحاجة لأبناءِ الأمة, بعد أن تخلى الأثرياءُ عن نجدتهم, واستبدوا بأموالهم, وأوقفوها على ملذاتهم وشهواتهم.

أيُّها المسلمون: هذا لونٌ من ألوان الطغيان, منشآهُ من المالِ والثروة, وهناك لونٌ أخر من الطغيان أكثُر خطورةً من سابقهِ, إنَّه الطغيانُ بسببِ السلطةِ والإمارة, وإنما أكثُر خطورةً من سابقهِ, لما يترتبُ عليه من إذلالِ الناسِ والبطشِ بهم ، وسو مهمِ سوءَ العذاب, ولا تزالُ ذاكرةَ التاريخ تحتفظُ بسجلٍ أسودٍ لسلسةٍ من السلاطِينِ والطُغاة, الذين أذاقَوا شعوبَهم الخسفَ والهوان, وقدَّموا للبشريةِ نماذجَ بشعة لاستغلالِ الجاهِ والسلطان, ويعرضُ القُرانُ الكريم نماذجَ من أولئكَ المجرمين والقتلة, مَّمن بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفراً وأحَّلوا قومهم دارَ البوار, وكُلنا يعرفُ ذلك المتغطرسَ الأرعن, الذي كررا لقُرآن قصتهُ, وكَشَفَ شخصَيتَه, وفَضَح نفسيتَه المريضة, وقلَبهُ الحقود, وسلوكَهُ المستبد (( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ) (القصص:4) .

والقُران الكريم حين يعرضُ سيرةَ ذلك الطاغيةِ المستبد, ويصفُ نهايتَه البشعةَ, ومآلَهُ المُخيف, إنما يحذرُ من جميعَ الفراعنة في كلِّ زمانٍ ومكان, من مغبةِ الظلمِ والاستبداد, واستغلالِ النفوذِ والسلطان, في الإرهابِ والترويعِ, والتظليلِ والإرجاف.

أيُّها المسلمون:

وللطغيانِ بسبب السلطةِ والنفوذ ملامحُ ومظاهرُ شتى, فمن ذلك الملامح , محاولةُ تعبيدِ الناس, وتركعيهم لحكم الطاغيةِ وشرعه, حين يسنُّ لهم القوانيَن الجائرة، والأنظمةَ المستبدة, في امتدادٍ مكشوف, وهجومٍ سافرٍ على سلطانِ الله في أرضه, وعلى حقهِ في الحكمِ والتشريعِ دونَ غيره, (( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ) (القصص:38) .

ومن ملامحِ الطُغيان بسببِ السلطة: محاولُةُ تكميمِ الأفواه ، وحجبُ كلمةِ الحق عن مسامعِ الناس , حتى لا ينتصحَ الطاغيةُ, وينكَشفُ عَورُه وزيفهُ، وحتى يظلَّ الناسُ في جاهليةٍ جهلاء, ولهوٍ وغفلة, لا يهتمونَ إلاَّ بشهواتهِم, ولا يعبئون إلاَّ بملذاتهِم، (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) ) (هود:91) .

( يا أبا طالب قل لابن أخيكَ يكفَّ عن شتمِ آلهتنا, وتسفيهِ أحلامنا, وإلاّ خلِّ بيننا وبينه ) أنَّهُ منطقُ الطغاة، يتوارثونهُ عَبر القرون, فكلمةُ الحق تقضُ مضاجعَهم, وترتعُد لها فرائصهُم, فيحاربُونهَا بقوةِ الحديدِ والنار, محاولَين بكلِّ قواَهم أن يدفنَوها في الصدور, فلا تفوُهُ بها الشفاه, ولا تتحركُ بها الألسنة, وذلك غايةُ الظلمِ والبغيِ والعدوان.

ومن ملامحِ الطغيانِ بسببِ السلطة: التهدُيدُ بالاعتقالِ, والسَجْنْ لكلِ من يخالفُ الطاغية, (( قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) ) (الشعراء:29) هاهو فرعونُ يهددُ كَليم اللهِ ونبيَه العظيم ، يهددُهُ ويتوعدهُ بالسجن, وما عَلَمَ الجبانُ أنَّ موسى وأتباَعه, وأعضاَءهُ وأحباَبه, لا يهابون السجنَ ولا يخاَفونهُ, إذ أنَّه ليس هُناكَ ثمة شهوةٍ حرام تفوتُهم , أو هوى نفسٍ يسبقُهم , أنَّهم متصلون بربهمِ سُبحانه, يتعاملَون معهُ مباشرةً دون وسيط, ولا تملكُ قوةٌ في الأرض مهما طغتْ وتَجبرتْ, لا تملكُ أن تمنعَ أرواَحهم من الاتصالِ بخالقهم سبحانه , إنَّ الطغاة لا يعتقلونَ سوى الجسد, ولا يأسرون غير التراب, أما الأرواحُ والقلوبُ، فهم أحقرُ وأضعفُ من أن يجدوا إليها سبيلاً .

ومن ملامحِ الطغيانِ بسببِ السلطة: ممارسةُ الإرهابِ والتعذيب, والبطشِ والتنكيلِ, في محاولةٍ مستميتةٍ , لتركيعِ الناسِ وإذلالهم, لقد آمَنَ سحرةُ فرعون بدعوةِ موسى, وعرفوا صدقَهُ وإخلاصَه, وأنَّ ما جاَءَ به حقٌ لا يقبلُ أي مماطلةٍ أو جدل , فجهروا بإيمانٍهم, وأعلنوا إسلامَهم دون ترددٍ أو خوفٍ أو وجل ، (( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) ) (الشعراء:48,47,46) .

وهنا يجنُّ جنونُ الطاغية فيُرعدُ ويُزبد ويُهددُ, ويتَوعد ، (( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ) ) (طه: من الآية71) فيصرخُ المهتدون الجُددَ في وجهِهِ ، غيَر عابئين بزيفِ سلطتهِ وتكذبِهم لها, (( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ ) ) (طه:72) .

فهو قمةَ التحدي بعد أن بلغَ السيلُ الزُبي, هذا بعضُ ملامحِ الطغيان بسبب النفوذِ والسلطان، تناولها القُران الكريم لينتصحَ من خلالها جميعُ الطغاةِ المستبدين, وليعرفَ الناسُ أو صافَهم وتصرفاتِهم, ليهلكَ من هَََلَكَ عن بينةٍ ، ويحيى من حيَ عن بينة .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم, واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم..

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت