أيها الناس، للطلاق أحكام شرعية وآداب لا بد من مراعاتها، تمس الحاجة إلى معرفتها والتقيد بها، ومتى غفل الناس عنها فقدوا ما في تشريع الطلاق من الحكمة والرحمة بالزوجين والأسرة والمجتمع قاطبة، ولي عودة إليها بإذن الله تعالى.
عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي
المجمعة
الجامع القديم
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الوفاء خلق كريم. 2- الوفاء بشروط عقد النكاح. 3- الصفة الشرعية للطلاق. 4- طلاق الثلاث بلفظ واحد. 5- حق المطلقة الرجعية.
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله ربكم، واجعلوا تقوى الله مطيتكم، فما خاب من اتقى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] ، يِاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29] .
وفي تقوى الله ضمان للذرية وتأمين لمستقبلهم، يقول سبحانه: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء9] ، وجزاء المتقين عند الله عظيم فقد أعد لهم داراً لم تر العيون مثلها ولم تسمع الآذان بنظيرها وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133، 134] .
معشر المؤمنين، الوفاء خلق حميد، تفاخر به العرب قديماً وأكده الإسلام أيما تأكيد، يقول سبحانه: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الاْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل:91] ، ويقول سبحانه وتعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء:34] ، وفي السنة النبوية وصايا كريمة تحض على الوفاء وتأمر به وتعيب من اتصف بضده، ففي صحيح البخاري يقول: (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ).
وقد تمادح العرب بالوفاء وتفاخروا به قديماً، بل شرف بالوفاء كل متمسك به حتى الكلاب، فقد ضرب بها المثل في الوفاء.
والعقود والعهود التي يجب الوفاء بها كثيرة متنوعة، من أهمها عقد الزوجية الذي يجمع الزوجين في بيت واحد ويبيح لهما ما كان حراماً قبل عقد النكاح، فللعقد حرمته ومكانته، وفي ذلك يقول: (( أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ) )أخرجه البخاري. وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: (( ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ) )أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومعنى قوله: (( عوان عندكم ) )يعني أسرى في أيديكم.
فالمرأة أسيرة بيد زوجها، فقد جاءت إلى زوجها بكلمة وإيجاب من وليها، وربما خرجت من منزل زوجها بكلمة أيضاً، ولكنها من زوجها، فعقد الزواج عقد وثيق وحبل متين لا ينبغي التساهل فيه أو تعريضه للعبث، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ) )أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم.
فالوفاء الوفاء ـ يا معشر الرجال ـ، وليكن لعقد الزوجية حظه الوافر من الوفاء وحفظ الجميل ورد المعروف، ولا يكن عقد الزوجية أسهل العقود نقضاً، ففي ذلك إخلال بالمجتمع ولبناته الصالحة.
عباد الله، من عزم على الطلاق وأراد فراق زوجته فليعلم أن هناك أحكاماً شرعية وحدوداً مرعية لا بد من معرفتها، فالأمر الأول أن للطلاق صفة شرعية معتبرة وما عداها فهو طلاق بدعي يأثم صاحبه، فطلاق السنة ما أخبر به النبي فيما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله فسأل عمر بن الخطاب رسول الله عن ذلك فقال رسول الله: (( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) ).
وعن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهراً في غير جماع. أخرجه النسائي، فطلاق السنة أن يطلق الزوج زوجته في حال طهر لم يجامعها فيه، أو تكون حاملاً وتبين حملها، ويكون الطلاق بطلقة واحدة فقط.
أيها الناس، من منكم يرضى أن يأتي أمراً يغضب النبي ، أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله: عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام غضبان ثم قال: (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) )حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله، وعند مسلم (2678) حين سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن رجل طلق زوجته وهي حائض فقال: (وأما أنت طلقتها ثلاثاً فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك) . وعند أبي داود (1878) عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا، وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ [الطلاق:1] ، في قبل عدتهن.
فانظر يا عبد الله إلى ما أمرك الله تعالى به من الطلاق في الوقت المعتبر وبالعدد المعتبر وهو الواحدة فقط، فمن خالف في ذلك أثم ووقع الطلاق عند جمهور العلماء، ولو تأملنا في هذا الوقت المعتبر للطلاق، وهو أن تكون المرأة في حال طهر لم تجامع فيه، لبانت لنا حكمة عظيمة يرعاها الشرع ويحض عليها، وهي التأني في إيقاع الطلاق، فلا يكون قراراً مرتجلاً يقدم عليه الزوج لأدنى سبب، وإن كان تافهاً، بل يكون قراراً قد اتخذ على هدوء وفي حال تروٍ وتفكر، وتكون نفس الزوج قد طابت من زوجته وعزمت على الفراق بدليل عدم قربانها في حال طهر كامل، ولو راعى الأزواج هذه الحكمة والتزموا بما شرع الله لقل المطلقون الذين نراهم ونسمعهم يطرقون أبواب العلماء ويستفتون هذا وذاك، يسألونهم عن طلاق بدعي وقع بالثلاث أو في حال غضب أو في حال حيض، وكلهم نادم على ما حصل ويسأل العودة.