فهرس الكتاب

الصفحة 8763 من 9994

فاتقوا الله عباد الله، وخذوا من هذا النهج القويم خير العدة وأفضل الزاد، وسلوا الله أن يثبت القلوب على الدين وأن يجنبها الزيغ، فاللهم مقلبَ القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحياةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء:73-75] .

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ولي الصالحين، أحمده سبحانه يقلِّب قلوب الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله، إن حفظَ العبد ربَّه بالعمل بما يرضيه هو من أظهر أسباب الثبات، ومن أقوى عوامل السلامة من الزيغ، كما جاء في وصية النبي لابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما بقوله: (( يا غلام، إني أعلمك كلمة: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورُفعت الصحف ) )أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسناد صحيح (7) [1] .

فعاقبه حفظ العبد ربَّه أن يحفظه الله من المضلات والشبهات، حتى يتوفاه على الإيمان، وحتى يدخله الجنة دار السلام.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على كل أسباب الثبات، وحذار من كل أسباب الزيغ، تكونوا من المفلحين.

وصلوا وسلموا على خير الورى، فقد أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة...

(1) أخرجه أحمد (26036) ، والترمذي في (3522) وقال:"هذا حديث حسن"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2792) .

(2) أخرجه الترمذي في القدر (2140) ، وابن ماجه في الدعاء (3834) ، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3092) .

(3) حديث: (( خير الناس قرني... ) )أخرجه البخاري في الشهادات (2652) ، ومسلم في الفضائل (2533) من حديث ابن مسعودرضي الله عنه.

(4) أخرجه البخاري في الحج (1739) .

(5) أخرجه أحمد (4/126-127) ، وأبو داود في السنة (4607) ، والترمذي في العلم (2676) ، وابن ماجه في المقدمة (46) ، والدارمي في مقدمة سننه (95) وغيرهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (1/179) ، والحاكم (1/95-96) ، ووافقه الذهبي، ونقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/109) عن أبي نعيم أنه قال:"هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (37) .

(6) أخرجه مسلم في الإيمان (118) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(7) أخرجه أحمد (4/409-410) [2669] ، والترمذي في صفة القيامة (2516) ، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460-461) :"روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة.. وأصح الطرق الطريق التي خرجها الترمذي"، وصححه الألباني في صحيح السنن (2043) .

خالد بن عبد الله المصلح

عنيزة

جامع العليا

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. 2- أسباب الثبات.

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله ـ أيها المؤمنون ـ كما أمركم ربكم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

واعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ) )، ثم قال رسول الله: (( اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك ) )رواه مسلم (1) [1] ، وقد قال النبي مبينًا شدة تقلب قلوب العباد: (( لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليانًا ) )رواه أحمد بسند لا بأس به (2) [2] ، وقد قيل:

وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ…ولا القلب إلا أنه يتقلب

ومصداق هذا كله مشاهد ملموس في واقع الناس، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم، أصبحت وزهرها يابس هشيم، فبينا ترى الرجل من أهل الخير والصلاح، ومن أرباب التقى والفلاح، قلبه بطاعة ربه مشرق سليم، إذا به انقلب على وجهه، فترك الطاعة، وتقاعس عن الهدى. وبينا ترى الرجل من أهل الخنا والفساد أو الكفر والإلحاد، قلبه بمعصية الله مظلم سقيم، إذا به أقبل على الطاعة والإحسان، وسلك سبيل التقى والإيمان.

أيها الإخوة المؤمنون، إن تذكّر هذا الأمر لتطير له ألباب العقلاء، وتنفطر منه قلوب الأتقياء، وتنصدع له أكباد الأولياء، كيف لا؟! والخاتمة مغيّبة، والعاقبة مستورة، والله غالب على أمره، والنبي قد قال: (( فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) )متفق عليه (3) [3] ، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فيا عباد الله، عليكم أن تجتهدوا في أخذ أسباب الثبات، وأن تحتفوا بها، علمًا بأن المقام جد خطير، والنتائج لا تخالف مقدماتها، والمسببات مربوطة بأسبابها، وسنن الله ثابتة لا تتغير، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

أيها المؤمنون، إننا في هذه العصور أحوج ما نكون إلى معرفة أسباب الثبات والأخذ بها، فالفتن تترى بالشبهات والشهوات، والقلوب ضعيفة، والمعين قليل، والناصر عزيز، وقد أخبر النبي عن سرعة تقلب أهل آخر الزمان لكثرة الفتن، فقال: (( إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا ) ) (4) [4] .

لكل واحد منكم ـ أيها الحاضرون ـ أذكر بعض أسباب الثبات، عسى الله أن ينفعنا بها، وأن يثبتنا بالقول الثابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت