#السحر
د. عبد الحي يوسف
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضلّ له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله وصفيّه وخليله, بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة, ونصح الأمّة وجاهد في سبيل ربّه حقّ الجهاد, ولم يترك شيئاً مما أُمر به إلاّ بلّغه, فتّح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صُماً وقلوباً غُلفاً, وهدى الناس مِن الضّلالة، ونجّاهم من الجهالة, وبصّرهم من العَمى, وأخرجهم مِن الظُلمات إلى النور, وهداهم بإذن ربّه إلى صراط مستقيم. اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ونبيّك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى, وخيرَ الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثةٍ بدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وكلّ ضلالةٍ في النار, وما قلّ وكفى خيرٌ مما كَثُر وألهى, وإنّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.
أما بعد أيها المسلمون عباد الله!
فإنّ شريعة الإسلام جاءت بالقضاء على الفساد، وقطع دابر المفسدين، رجالاً كانوا أو نساءً, فسادهم عقديٌّ، أو أخلاقيٌّ, أو اجتماعيٌّ، أو اقتصادي, أو غير ذلك من أنواع الفساد، فالله لا يُحبُّ المفسدين، (والله لا يُحبُّ الفساد) . والفساد طبيعة المنافقين وسمتُهم وصفتهم (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) . جاءت شريعة الإسلام آمرةً بقتل الزاني المحصن، وبقتل المرتد، الذي بدّل دينه، وفارق جماعة المسلمين، وقَتْل من قَتَل النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، وأمرت شريعة الإسلام كذلك بقتل المحاربين الذين يسعون في الأرض فساداًَ، يُحاربون الله ورسوله, يَقطعون السبيل, ويُخيفون الآمنين, ويَنتهبون الأموال, ويَنتهكون الأعراض، وأمرت شريعة الإسلام كذلك بقتل مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، وبقتل مَنْ أتى ذات محرمٍ، وأمرت شريعة الإسلام بقتل السارق في المرة الخامسة، وشارب الخمر في المرة الرابعة، على خلافٍ بين أهل العلم في ذلك، وأمرت شريعة الإسلام بقتل من حرّض على الفساد أو أمر به، وأمرت كذلك بقتل الساحر، الذي يُفسد عقائد المسلمين، ويزين لهم الأباطيل، ويأمرهم بالمنكر، ويُعلّقهم بغير الله، ويَجعل في عقيدتهم أنّ للكواكب تأثيراً، أو أنّ للشياطين استغلالاً بالفعل. هذه الأصناف كلّها شريعة الإسلام أمرت بقتلهم, وقطع دابِرهم، والقضاء عليهم, لأنهم جراثيمُ مُفسدة، إذا تُركت سممت المجتمعات، وأفسدت الشعوب, وأظهرت ما أمر الله عزّ وجل بإخفائه.
ومن أخطر هؤلاء جميعًا، أيها المسلمون عباد الله، الساحر. الساحر الكافر الذي يَستعين بغير الله, يَستعين بالشياطين, يَستعين بالجنّ الكافر, يعتدي على كتاب الله عزّ وجلّ وعلى شرعه ودينه, يَحقُّ الباطل ويُبطل الحق, ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف, ويتعدى على الحرمات. هذا الساحر الذي يأتي هذه الموبقات شريعة الإسلام تأمر بقتله.
فما هو السحر، أيها المؤمنون عباد الله؟ ما حقيقته؟ ما تأثيره؟ ما حكم تعلّمه؟ ما حكم مَنْ يُمارسه؟ ومنْ يأتيه ويفعله؟ هذه أسئلة لابد أنْ نعرف الجواب عنها, كيف نتقي السحر ونمنع أنفسنا منه؟
السحر، أيها المسلمون عباد الله، من كبائر الذنوب, من الموبقات العظيمات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اجتنبوا السبع الموبقات: الشركَ بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر في المرتبة الثانية، بعد الشرك بالله عز وجل, إذ السحر قسيم الشرك.. نوع من أنواعه.. صنفٌ مِن أصنافه, وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ تعلّم السحر حرام (( من تعلّم شيئا من السحر قليلاً كان أو كثيراً كان ذلك آخر عهده من الله ) ).