#عائدون إلى ربهم ... ...
د. عائض القرني ... ...
عائدون إلى ربهم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم تسليماً، وبعد:
فأخبار التائبين شائقة، وقصصهم رائقة، لأنها تروي لنا حياة البؤس والنعيم، والشقاوة والسعادة، والمخافة والأمن، والقلق والسكينة.
ما ذرّ شارق ولا لمع بارق غلا وعاد إلى الله صادق، وما أفل غارب ولا طرق نجم ثاقب إلا وأناب إلى الله تائب.
التائب منكسر القلب، عزير الدمعة، حي الوجدان، قلق الأحشاء...
التائب صادق العبارة، جم المشاعر، جيّاش الفؤاد، مشبوب الضمير...
التائب خليٌّ من العجب، فقير من الكبر، مقلّ من الدعاوي...
التائب بين الرجاء والخوف، والسلامة والعطب، والنجاة والهلاك...
التائب في قلبه حرقة، وفي وجدانه لوعة، وفي وجهه أسى، وفي دمعه أسرار...
التائب يعرف الهجر والوصال، واللقاء والفراق، والإقبال والإعراض.
التائب له في كل واقعة عبرة، فالحمام إذا غرّد بكى، والطير إذا صاح ناح، والبلبل إذا شدا تذكّر، والبرق إذا لمع اهتز..
التائب يجد للطاعة حلاوة، وللعبادة طلاوة، وللإيمان طعماً، وللإقبال لذة...
التائب يكتب من الدموع قصصاً، وينظم من الآهات أبياتاً، ويؤلف من البكاء خطباً..
التائب كالأم اختلست طفلها من يد الأعداء.. وكالغائص في البحر نجا من اللجّة إلى الشاطىء.. وكالعقيم بشِّر بابن، وكالرجل البارز للإعدام عفى عنه.
التائب أعتق رقبته من أسر الهوى، وأطلق قلبه من سجن المعصية، وفك روحه من شباك الجريمة، وأخرج نفسه من كير الخطيئة.
التائب طالطائر الجريح لا يختال، وكالقمر الكاسف لا يتكلّم، وكالنجم الغابر في الغيهب لا يصيح.
وهذه بعض قصص التائبين كتبتها لمن تاب وأناب، ولمن عزم على التوبة، ولمن فكر في أن يتوب، ولمن أعرض عن التوبة، فعسى أن تنفع الجميع.
1.جندي عرف الله: حدثني هذا الرجل بقصته يوم تاب إلى الله تبارك وتعالى، إنها قصة عجيبة، إنها قصة الإنسان يوم يعيش حياتين وفترتين ومرحلتين.. يوم يعيش الظلام والنور.. الهدى والضلال.. الحفظ والضياع.. هذا الرجل لا أذكر اسمه، وهو مشهور بين أهل بلده بعبادته وبكائه وخشوعه وتلاوته، يحدّثك عن قصة عودته إلى ربه وعيناه تذرفان.
كان جندياً بإحدى المدن يحمل بندقيته في حراسة متقطعة، وكان في تلك الفترة قوي البنية، لكنه ميت القلب.. ريّان الشباب، لكنه مفلس الإرادة، عملاق الجسم، لكنه هزيل الإيمان.
أخبرني أنه كان لا يسجد لله سجدة، لا يعرف الصلاة، وما هي الصلاة، وما قيمة الصلاة، لا يدخل المسجد، إلا مجاملة إذا اضطر إلى ذلك مصانعة للناس ومراءاة لهم.
كان معروضاً تماماً عن الله عز وجل:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه مِنْ بعد الله أفلا تذكّرون". ( الجاثية: الآية 23)
قال لي بأنه كان يستهزىء بالدين الإسلامي، لا يحب الصلاح والصالحين.. إذا دعي إلى الله تعالى ردّد كلمته المشهورة:"كفر صراح ولا دين مخشخش"!
كان لا يغتسل من الجنابة، وربما يضطر لمصانعة الناس فيدخل المسجد بجنابته ليصلي، لا يعرف الوضوء، لأن القلب في سباتٍ عميق، وفي غمرة هائلة، يقف في نوبته فيشعل السيجارة من السيجارة.
أطلق لقلبه الهيام في أودية المعاصي والشهوات، وأطلق لعينه النظر إلى الحرام، وأطلق لسمعه التلذذ بالغناء الفاحش، وأطلق لجوارحه العبث بالقيم والمبادىء، يرى الفتاة فيتابعها بعينيه اللتين كأنهما رصاصتان.
أما ليله فمع ثلة من الشباب الحيران الضائع، يسهر معهم في المجون، في البذاءة، في الهيام والغواية، فإذا زاره النوم رمى بجثمانه على الأرض كالجثة الهامدة حتى يدعي لنوبته، ينام بلا طهارة، بلا صلاة، بلا قرآن، بلا ذكر.. ينام نومة الهائم الضّال الذي ما عرف الطريق.
كان ينفر من السنن، ومن أهلها الملتزمين بها، يرى أن الدين مسخرة، والتمسك به تخلّف ورجعية، وأن قضايا الدين عتيقة، أكل عليها الدهر وشرب.
كره الصالحين والأخيار، لا لشيء، إلا لأنهم متدينون صادقون.. بينه وبين والديه ما يقارب ثلاثمائة ميل، لكنه هجرهم وقاطعهم، ومن قطع حبله مع الله فحري به أن يقطعه مع الناس.
ومضت الأيام، والليالي، والساعات، والدقائق، يملؤها باللهو واللعب، ويحشوها بالمجون والاستهتار.
وأرسل الله تعالى إلى تلك البلدة بداعية عملاق، داعية مؤثر جد مؤثر، شيخ علم ورجل فضل، خطيب مصقع، ومتكلم قدير، وقد مات قبل سنوات رحمه الله، ولم تذكره الكتب، ولكن ذكرته القلوب، ولم تتكلم عنه الصحف، ولكن تكلمت عنه العيون بدموعها.