قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) (الانفطار6-8) روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن أن النبي (ص) بصق يوما على كفه ووضع إصبعه عليها ثم قال:"قال الله تعالى: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة" (1)
أيها الحبيب: هذا الإله العظيم الذي تعرفنا على شئ يسير من نعمه وآياته علينا ؟ أى يستحق أن نفرده بالتوحيد ؟ ألا يستحق أن نفرده بالسؤال والاستعانة والتوكل والرجاء والإنابة ؟
أيها الحبيب هيا جدد إيمانك به جلا وعلا ، إذا سألت فسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله فلا تحلف إلا به ، ولا تقدم النذر إلا له ولا تتوكل إلا عليه ولا تفوض أمرك إلا إليه ولا ترج إلا الله .
يا صاحب الهم إن الهم منفرج.. أبشر بخير ، فإن الفارج الله
والله ما لكم غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله
روى البخاري ومسلم من حديث معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي يوما على حمار فقال النبي لمعاذ"يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد ؟"فقال معاذ: الله ورسوله أعلم: فقال النبي"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا" (1)
فحق الله علينا أن نعبده وأن نوحده ، وأن نفرده بالطاعة وأن نمتثل أمره وأن نتجنب نهيه وأن نقف عند حده .
فهيا أيها المسلمون: جددوا العبودية لله تبارك وتعالى ، امتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ، وقفوا عند حده تبارك وتعالى ، والعبادة ليست أمراً على هامش الطريق فالعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وأركانها كمال الذل لله ، مع كمال الحب لله ، وشروط قبولها من الله أن تكون مخلصاً تبتغى بعبادتك وجه الله ، وأن تكون موافقاً في عبادتك لهدى الحبيب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه .
(1) أخرجه أحمد في مسنده (2/359) ، والطبراني في الكبير (1/52 مجمع) ، والحاكم في مستدركه (1/4) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/159)
(1) أخرجه مسلم في الإيمان - باب قوله عليه السلام:"إن الله لا ينام" (1/295 إيمان) ، وابن ماجه في المقدمة ، باب فيما أنكرت الجهمية (1/195) وأحمد في مسنده (4/395،401) .
(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم ، باب ما جاء في العلم (1/63) تعليقا ، ومسلم في الإيمان ، باب السؤال عن أركان الإسلام (1/10-11) ، والترمذي في الزكاة ، باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك (3/619) ، والنسائي في كتاب الصيام ، باب وجوب الصيام (4/2090) .
(1) أخرجه مسلم في كتاب النكاح ، باب حكم العزل (2/133نكاح) ، وأحمد في مسنده (3/49) والبيهقي في سننه (7/229)
(1) أخرجه أحمد في مسنده (4/210)
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب اسم الفرس والحمار (6/2856) ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (1/49) ، والترمذي في كتاب الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (5/2634) ، وأحمد في مسنده (5/234)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللهم صل وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين ..
أما بعد ..
فحياكم الله جميعا أيها الأخوة الفضلاء وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلا ، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته ، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى صلى الله عليه وسلم في جنته ودار مقامته ، إنه ولى ذلك والقادر عليه ..
أيها الأحبة:
نحن اليوم على موعد مع الدرس السادس والأربعين من دروس شرح أحاديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، وطيب ثراه ولا زلنا مع كتاب الإيمان مع الباب التاسع عشر من أبواب كتاب الإيمان من صحيح الإمام البخاري .
ولقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله لهذا الباب ترجمة فقهية بليغة فقال: باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (الحجرات/14) فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) (آل عمران/19) هذه ترجمة الباب .
أكرر الترجمة مرة أخرى لما تنطوى عليه من فقه سأوضحه الآن إن شاء الله تعالى يقول: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة - ولا شك أن الجواب هنا محذوف جواب إذا محذوف باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة ، جواب إذا محذوف ألا وهو: لا ينفع في الآخرة - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل ، لقوله تعالى: ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات/14) فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) (آل عمران/19)
روى الإمام البخاري في هذا الباب حديثا قال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد ، أن رسول الله: أعطى رهطاً- أي من الصدقات ، أعطى رهطا - والرهط هو العدد من الثلاثة إلى العشرة أو يزيد عند بعض أهل اللغة ، ولكن هذا هو الراجح من أقوالهم .
يقول سعد بن أبي وقاص: أعطى رسول الله رهطا وسعد جالس ، فترك رسول الله رجلا هو أعجبهم إليه _ يعنى لم يعط النبي رجلا من الحاضرين .
هذا الرجل صرحت رواية الواقدى باسمه وهو: جعيل بن سراقة الضمري ، يقول سعد _ رضوان الله عليه _ فأعطى رسول الله ولم يعطى رجلا هو أعجبهم إليه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان ؟ مالك عن فلان يعنى: لِم لمَ تعط فلانا ، فوالله إني لأُراه مؤمنا أو لأَراه مؤمنا .
إن كان الإمام النووي قد رجح الفتح رجح: إني لأَراه وهناك من أهل العلم من رجح: لأُراه إلا أن الفتح أبلغ كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ، لأن هذه العبارة أتبعها سعد رضوان الله عليه بقوله: ثم غلبني ما أعلم منه فهذه تثبت اليقين ، لأن - إني لأُراه تحتمل الشك لكن - إني لأَراه لا تحمل إلا معني اليقين فأكد القول بالفتح قول سعد: ثم غلبني ما أعلم منه النبي يقول له سعد ابن أبي وقاص: يا رسول الله مالك عن فلان ؟ - يعني لماذا أعطيت هؤلاء ولم تعط فلانا ؟ فوالله إني لأَراه مؤمنا .
تدبر ، لنقف على مناسبة الترجمة والحديث .