وفسرها بعضُهم بالصيام، فإنَّ اللهَ تعالى قد وصفَ النساءَ اللاتي يتزوجَهُنَّ رسولَهُ r بذلكَ فقال: (( سائحات ) )وكذا فسرَ السياحةِ بالصيام؛ أَبو هريرةَ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وعائشة وغيرهم- رضي الله عنهم- .
وقد دُنِّسَ هذا اللفظُ حيثُ أصبحَ مُصطلحاً مُعاصِراً تُشَمُّ منهُ رائحةَ التلوثِ العقدي ، والفسادَ الأخلاقي، والتحللَ من الضوابطِ والقيمِ، فإلى اللهِ المُشتكي، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيل .
أيُّها الأخوةُ النبلاء: لا مانعَ أن يقصدَ المرءُ إلى تغييرِ الجوِّ والتنزهِ في الأماكنِ الجميلةِ ذاتَ الخُضرةِ النَضرة، والجمالِ الأخاذ، والجوِّ البارد، والمناظرِ الحسنة، وإعطاءِ الأولادِ فرصةَ اللعبِ واللهوِ المُنضبط، ولكن عليكَ أن تتنبهَ لأمور:
أولاً: أن تتجنبَ مواقعَ اللهوِ والفسوقِ والعصيان، كالحفلاتِ الغنائيةِ، والتجمُعاتِ المختلطة، فإنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمل، وإنَّ اللهَ يَغَارُ وغيرتَهُ أن تُنتَهكَ حُرمَتَهُ، يقولُ النبي r: (( في هذه الأمةِ خسفٌ ومسخٌ وقذف"فقالَ رجلٌ من المُسلمين: يا رسولَ اللهِ ومتى ذاك ؟ قال: إذا ظهرت القِيناتِ والمعازفِ، وشُربت الخُمور ) )رواهُ الترمذي وصححهُ الألباني، فلا تأمن من مكرِ اللهِ تعالى، ولا يأمن من مكرِ اللهِ إلاَّ القومُ الخاسرون ."
ثانياً: أن تستثمرَ وقتكَ وأوقاتَ رُفقِتكَ فيما يعودُ عليهم بالنفعِ، من التعلمِ والتعليم، والدعوةِ في الأماكنِ التي يرتَادُونَها بإلقاءِ الكلماتِ في المساجدِ والتجمعاتِ المناسبةِ، وحضورِ المحاضراتِ والأمسياتِ النافعة، وتوزيعِ الأشرطةِ والكتيباتِ المفيدة .
ثالثاً: أن تأخذَ بآدابِ السفرِ وأحكامهِ المتعلقةِ به، ويمكن أن تطلعَ على ذلكَ من خلالِ مطويةٍ أو كتيبٍ صغير.
رابعاً: المحافظةُ على أبنائكَ وبناتكَ ومراقبتهم، وإعانَتهم على أنفُسهم حتى لا يقعُوا فريسةً لصحبةِ السُوء، والعلاقاتِ الآثمة .
خامساً: الإفادةُ من فترةِ الإجازةِ بالمشاركةِ في البرامجِ الصيفيةِ النافعةِ، من حفظِ المتونِ والمشاركةِ في المسابقات، وحضورِ الدوراتِ العلميةِ، والمراكزِ الصيفيةِ، حتى لا يمضي الوقتُ من غيرِ فائدة، وتشجيعُ أبنائِكَ وبناتكَ بوضعِ الحوافزِ لهم على ذلكَ وإجراءِ المنافساتِ فيما بينهم.
[1] انظر العالم في عام ص 80 ـ 85 ـ 86
[2] تفسير ابن كثير ص 353 ط دار السلام .
[3] انظر الدرر السنية (15 /484) .
[4] انظر: الدرر السنية (15/480) .
[5] انظر: فتاوى الأئمة النجدية (2/447-448) .
[6] انظر: فتاوى علماء البلد الحرام .
[7] انظر: فتاوى المنتقى لفضيلة الشيخ صالح الفوزان .
[8] رواه أبو داود (2486 )
[9] تفسير البغوي عند آية التوبة 112 .
الحمدُ للهِ خلقَ الخلقَ لحكمةٍ جليلةٍ محددة، (( وَمَا خَلقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) ) (سورة الذاريات:56) .
وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، فاوتَ بينَ الناسِ في مسعاهُم إلى ربِّهم في هذهِ الحياة، (( إِنَّ سَعْيَكُمْ لشَتَّى ) ) (سورة الليل:4) .
وفاوتَ بينهم في منازلِ الآخرةِ، (( فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير ) ) (سورة الشورى:7) .
وأشهدُ أنَّ محمداً عبُدهُ ورسولهُ، حماهُ ربُّهُ عن الضلالةِ والغوايةِ، (( مَا ضَل صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) ) (سورة النجم:2) .
اللهمَّ صلِ وسلم عليهِ وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ وارضِ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، والتابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عبادَ الله:
اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلامِ بالعُروةِ الوثقى، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمور، ومُضِلاتِ الفتن، (( وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) (سورة آل عمران: 101) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ ) ) (سورة لقمان: 33) .
أيُّها المسلمون:
وهبَكُم اللهُ نعماً وأَودَعُكم أماناتٍ، وسوفَ يسألُكُم عن صنيعِكم بها، فالصحةُ نعمةٌ وأمانة، والمالُ نعمةٌ وأمانة، والوقتُ والشبابُ ، والسمعُ والبصرُ والفؤادُ ونحوها من نعمِ الله، كُلَّها أماناتٍ استُودعتم إيَّاها، وستُسألُونَ عن نوعِ استخدامكم لها، وكلُكُم يقرأ قولهُ تعالى: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ) (سورة الإسراء: 36) ، ويعي قولهُ r: (( لنْ تَزُول قَدَمَا عَبدٍ يَومَ القِيامَةِ حَتَى يُسأل عَنْ أَربَع ) )الحديث .
عباد الله:
ُذكرُ بهذه المسؤوليةِ على الدوام، وتشتدُ الحاجةُ أكثرَ وقتِ الفراغِ والإجازاتِ والعُطل، التي أعتادَ عددٌ من الناسِ السفرُ فيها، وقضاءَ الإجازةِ بنفسهِ أو بصحبةِ أهلهِ وأولادهِ، هُنا أو هناك، فإلى أينَ يذهَبُونَ ؟ وبماذا يقضُونَ فراغهم ؟ وكم يُنفِقُونَ ؟ وبماذا يُنفِقُون ؟ وكيفَ ذهبوا؟ وبمَ يرجِعُون ؟ إنَّها أسئلةٌ مهمة، وإيرادُها على النفسِ قبلَ السفرِ من العقلِ والحكمة، والاستفادةُ منها والعَملُ بمقتضى الشرعِ فيها أثناءَ السفرِ إلى العودة، مؤشرٌ للصلاحِ ودليلُ الديانة.
إنَّ حياتك أيُّها المسلمُ والمسلمةُ دقائقُ معدودة، وأنفاسٌ محددة، ولستَ تدري ولا غيركَ يدري - إلاَّ الله - ماذا تكسبُ غداً، ولا بأيِّ أرضٍ تموت، وإذا حفظكَ اللهُ - مُعظمُ الوقتِ - وجاهدتَ نفسَكَ عن مُقارفةِ الخنا والفجورِ والفسوقِ، فمنَ الحماقةِ أن تُحطِمَ هذا السياجُ الواقي، وترغبُ عن هذا الأمانُ الإلهي فترةً من حياتك، وقد يُختَمُ لكَ بها، فتكونُ الحسرةُ والندامة، إذ حلت بكَ سُوءُ الخاتمةِ، وتعرضتَ لمقتِ اللهِ وغضبه، إذا استُخدمت نعمُ اللهِ في معصيته، وليسَ يليقُ بكَ أن تأكلَ من رزقهِ وتعيشَ في أرضهِ، ثم أنتَ تُجَاهِرُهُ بالمعاصي، وهُو يَرَاكَ وإن لم تره.
إخوةَ الإسلام: ومصطلحُ السياحةِ مصطلحٌ يترددُ كثيراً، ولكنَّ الحديثَ عنهُ يكثرُ مع قُربِ الإجازةِ الصيفية، ورُبَما استهوت دعواتُهُ، بعضُ الناسِ غافلينَ عن حقيقتهِ ومخاطِرِه، فما مفهُومهِ في زمننا، وما هِي مخاطِرُهُ ؟ وما مفهومُ السياحةِ الأصيلُ في شرِيعتنا، وما سياحتُنا أهلُ الإسلام؟ وما هيَ خصائصُنا ومسؤولياتِنا في بلادِ الحرمين؟
ودعونَا نبدأُ الحديثَ عن أصلِ السياحةِ في الإسلام، وما المرادُ بالسائحينَ في كتابِ اللهِ وسنةِ رسولهِ r لقد وردت السياحةُ في كتابِ اللهِ وسنةِ رسوله r تحملُ معاني ساميةً، وارتبطَ وصفُ السائحينَ بنماذجَ عاليةٍ من البشر، يقولُ تعالى في وصفِ الذين اشترى اللهُ منهُم أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهُم الجنة: (( التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ) ) (سورة التوبة:112) .
وترددت عباراتُ العلماءِ في معنى السياحة، ومَنْ هُمُ السائحون؟ فقيلَ هُم الصائمون، واستدُلَ لهُ بقولهِ تعالى في وصفِ نساءِ النبيِّ r (( عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ) ) (سورة التحريم:5) .
وبما وردَ في الحديثِ عن عائشةَ -رضي الله عنها- مرفوعاً: (( سِيَاحَةُ هَذهِ الأَمةُ الصِيَامُ ) ).