إعداد/ د. عبد الله شاكر الجنيدي
نائب الرئيس العام
اختص الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بآيات بينات وبراهين ساطعات تدل على صدقهم وتوجب اتباعهم ويطلق عليها المعجزات، وإن كان الدليل على صدق الأنبياء لا ينحصر في المعجزات، إلا أنها من الأدلة الصحيحة على ثبوت النبوة، وما أجري على يد الأنبياء من المعجزات لا يقع لغيرهم بحال وذلك سدًا لذريعة تكذيبهم، والاختلاف عليهم والكفر بما أرسلوا به، وحتى يتميزوا عن الكاذبين.
يقول ابن تيمية: «ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها صادرًا ممن ليس من جنس الأنبياء فليس من آياتهم، ولهذا طلب فرعون أن يعارض ما جاء به موسى لما ادَّعى أنه ساحر، فجمع السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل موسى، فلا تبقى حجته مختصة بالنبوة، وأمرهم موسى أن يأتوا أولاً بخوارقهم، فلما أتت وابتلعتها العصا التي صارت حية، علم السحرة أن هذا ليس من جنس مقدورهم فآمنوا إيمانًا جازمًا» . [النبوات: 12، 13]
ويقول أيضًا: «وخوارق الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها ولا يمكن أحدٌ إبطالها، لا من جنسهم ولا من غير جنسهم، فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضًا، فلا يتصور أن نبيًا يبطل معجزة آخر وإن أتى بنظيرها فإنه يصدقه، ومعجزة كل منهما آية له وللآخر أيضًا، كما أن معجزات أتباعهم آيات لهم بخلاف خوارق السحرة، فإنها تدل على أن صاحبها ساحر، يؤثر آثارًا غريبة مما هو فساد في العالم، ويُسَرُّ بما يفعله من الشرك والكذب والظلم، ويستعين على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم والفساد، والنبي مقصوده العدل والصلاح، وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة وهذا يأمر بالتوحيد لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا إنما يستعين بالشرك وعبادة غير الله، وهذا يعظم إبليس وجنوده، وهذا يذم إبليس وجنوده» . [المرجع السابق]
والقرآن الكريم هو أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعجزة الباقية إلى يوم الدين، وأهم دليل على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم ، وقد تحدى الله به الإنس والجن مجتمعين على أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
يقول البيهقي: فأما العلم الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن العظيم، المعجز المبين، وحبل الله المتين، الذي هو كما وصفه من أنزله، فقال تعالى: وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت:41، 42] ، [دلائل النبوة 1/10]
ومع تأييد الله لنبيه بالآيات الكثيرة إلا أنه لم يُجِب المشركين إلى ما طلبوه من آيات لم يُرد الله أن تكون لهم، وذلك سدًا لذريعة التكذيب بها، فيهلكهم الله، كما هي سنته في ذلك، قال تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [الإسراء:59] .
قال ابن جرير في تفسيره: «يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك إلا أن من كان قبلهم من الأمم المكذبة سألوا ذلك مثل سؤالهم، فلما أتاهم ما سألوا كذبوا رسلهم فلم يصدقوا مع مجيء الآيات فعوجلوا، فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنا لو أرسلنا بها إليهم فكذبوا بها سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلهم» . ثم ساق روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآية منها ما ذكره ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأنى بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل نستأنى بهم، قأنزل الله الآية.
[جامع البيان في تفسير القرآن 15/74]
ثانيًا: النهي عن المفاضلة بين الأنبياء
سدًا لذريعة الانتقاص من أحدهم
دل القرآن الكريم على أن الله فضل بعض النبيين على بعض كما قال تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض [البقرة: 253] ، ومع هذا وردت أحاديث صحيحة تنهى عن تفضيل بعض النبيين على بعض كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما يهودي يعرض سلعته أُعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه يُنفخ في الصور فيُصْعَق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله، ثم يُنفخ فيه أخرى فأكون أول من بُعِثَ، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي» . [متفق عليه]