والمقصود بالزيادة ما ذكر في قوله-تعالى-: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، ثم قال ابن تيمية: (فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله في الجنة، لم يعطهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه) .
ثم ذكر أن هذين أصلان ثابتان في الكتاب والسنة، وعليهما أهل العلم والإيمان قاطبة.. والمقصود أن العبد محتاج إلى عبادة الله والقرب منه، والاستئناس بجواره-عز وجل- فمن فقد ذلك شقي، وهو الضنك المذكور في قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .
قال: (الوجه الثالث: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا منع ولا عطاء، ولا هدى، ولا ضلال، ولا نصر، ولا خذلان، ولا خفض، ولا رفع، ولا عز، ولا ذل، بل ربه هو الذي خلقه، ورزقه، وبصّره، وهداه، وأسبغ عليه نعمه، فإذا مسه الله بضر لم يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه..) انتهى كلامه.
وخلاصة القول هنا: أن الله خالق العبد والمتصرف في أموره، فالحاجة تجعل العبد يرجع إلى الله، وينيب إليه في كثير من مشاكل الحياة، حتى أنك لترى كثيرًا من الناس إذا أصيبوا بكارثة رفعوا أيديهم إلى الله -عز وجل... حتى أني سمعت قصة عجيبة عن رجل روسي وكان يتدرب على القفز المظلي (من الطائرة) فلما قفز من الطائرة لم تنفتح المظلة وهو يهوي في السماء وهي مغلقة، فدعا بلغته: يا الله! فانفتحت ونزل إلى الأرض بسلام، فهذا مع بعده عن الله، وكفره بآيات الله قبل ذلك في دولة اشتراكية ملحدة، لما ضاقت السبل وانقطعت الأسباب البشرية الضعيفة التي تشبه خيوط العنكبوت في الهوان نادى: يا الله! اتجهت الفطرة إلى الله -سبحانه وتعالى-.. وهكذا فالعبد مجبول على عبادة الله، وحبه، ودعائه، ولكن كما جاء في الحديث القدسي: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا..) رواه مسلم.
ثم قال ابن تيمية -رحمه الله-: (الوجه الرابع: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره وأهلكه، وكذلك من النكاح واللباس) انتهى كلامه..
يقول حاجة العبد إلى المخلوق قليلة وآنية، وحاجته إلى عبادة الله وطاعته دائمة، كما في الحديث: (أتاني جبريل فقال: يا محمد ! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس ) رواه الطبراني وحسنه الألباني.
ثم ذكر الوجه الخامس من وجوه وأسباب حاجة العبد إلى عبادة الله فقال:
أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة، وهذا أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء، فما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خذل) انتهى كلامه..
ونحن نجد هذا واقعيًا.. فرحم الله ابن تيمية على إبراز هذا المعنى، حيث نجد كثيرًا من الذين كان لهم العباد نصراء ووزراء أول من يخذلونهم.. فنحن نجد على سبيل المثال ابن العلقمي الذي كان الخليفة العباسي يقربه ويدنيه منه، كان أول من خذله! وأشد من قتله!! وهكذا على مدى التاريخ، كم من هزائم ونكبات كانت بسب أقرب المقربين! وفي العصر الحديث نجد: دولة صدام حسين زالت بسبب الخيانة الكبرى من أقرب أقربائه كما علم ذلك، وانتشر بين الناس... فسبحان الله ما أعظم وما أعزّ من استنصر به ولجأ إليه، وما أسرع خذلان من اعتز وعبد ولجأ إلى غيره!.
ثم ذكر وجوهًا إلى أن قال: (الوجه التاسع: أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا على أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله، ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلق بهم رجاءك ولا خوفك، قال تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } انتهى.
فهذه الوجوه والأسباب وغيرها اقتضت أن يكون العبد محتاجًا إلى الله: أُنسًا به، وقربًا منه، ورجوعًا إليه وعبادة له -عز وجل-.
إلى هنا ننهي حديثنا عن هذه الفقرة.. وسيأتي في الدروس القادمة -إن شاء الله- ذكر ما يتعلق بالعبادة من مفاهيم وتاريخ حولها.. والله الموفق...
[1] - لسان العرب 3/372-374.
[2] - تاج العروس باب (عبد)
[3] - معجم مقاييس اللغة (4/205-206) . ط/ دار الجيل.
[4] - العبودية ص38. ط/ المكتب الإسلامي/ الخامسة 1399هـ.
[5] - وهذا كما قال زهير بن أبي سلمى: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.
[6] - ذكر في الأصل (أحدهما) فهو ذكر وجهين ثم ذكر بقية الوجوه بعدهما، ونحن قلنا: ( أحدها ) للجمع، على ما سيأتي..
[7] - قاعدة جامعة في التوحيد (ص34-36) . ط/ دار العاصمة - السعودية.
[8] - صحيح سنن النسائي (1237) .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
غير خاف على ذي لب من المؤمنين أنه لابد في العبادة من معرفة أصلها اللغوي ومعناها الشرعي علمًا وعملًا، واضطرار الناس إليها ، وأنه لا غنى لأحد عنها طرفة عين ، وأن من ظن أنه يستغني عن الله وعبادته في الدنيا فقد أفحش الوهم ، وأعرق في الجهل ، ونصيبه في الدنيا الهموم والأكدار والضنك وفي الآخرة عذاب أليم شديد..!
الخلق كلهم عبيد الله: