فهرس الكتاب

الصفحة 8632 من 9994

ينبغي أن تتميزَ سياحتُنا عن سياحةِ الآخرين، وإذا نجحنَا في صرفِ الناسِ عن السفرِ للخارج، فذلك أمرٌ مرغوبٌ ومحمود، ولكن شريطةَ ألاَّ نقعَ في المحظورِ بأيِّ لونٍ من الألوان، فالحكُمُ الشرعيُّ في المُحرمِ واحد، وإن اختلفَ المكانُ أو الزمان .

ونحنُ في بلادِ الحرمينِ لنا خصوصيةٌ تُميزُنا عن غيرنا، فسلوكياتُِنا محلُ نظرٍ وتقديرِ العالم الإسلامي، وفينا قبلتُهم، وفي بلادِنا محيا ومبعثُ ومماتُ نبيهم، ومن أرضِنا انطلقت راياتُ الجهادِ وحملَ الفاتحونَ العِلمَ والحضارةَ الحقَّةِ للعالم، فكُنَّا بحقٍّ مصابيحُ الدُجى، ودعاةَ خيرٍ، وسطَّرنَا صحائفَ من ضياء، فما نسيَ الزمانُ ولا نسينا، وبلادُنا اليومَ مُؤهَلةً للقيادةِ من جديد، بإمكانَاتِها، وعُلمائِها، وموقعَ المُقدساتِ فيها، وسلامةَ الفكرِ، وصحةَ المعتقد فيها، وذلك في خضمِ حربِ الأفكارِ وصراعِ المعتقدات، ولئن عَجزنا أو قصَّرنا في حملِ ذلكَ للناسِ في دِيارِهم، فأقلَ الواجبِ أن نحفظَ هذا الكنْز الكبيرِ، ونحافظُ على هذا التاريخِ المجيدِ في بلادنا، حتى يتذكرهُ من وفدَ إلينا، وتبقى أرضُنا جُذوةً لإحياءِ المشاعرِ الإسلامية، لا أن نستبدلَ الذي هُو أدنى بالذي هو خير .

إنَّ بلادنا - والحمد لله - غنيةٌ بموارِدها الاقتصاديةِ الأخرى، وخيرٌ لنا أن نُنَميها ونزيدُ من فاعِليَّتِها، من أن نلجَ من بوابةِ السيَاحةِ الضيقةِ لدعمِ اقتصادنا، بل بإمكانِنَا أن نُجددَ في مفهومِ السياحةِ، ونقترحَ أنماطاً مشروعةً تستجلبُ الآخرينَ دُونَ أن تُأثرَ على دِينهم وأخلاقِهم .

إنَّها دعوةٌ للمسئولينَ ، والعلماءَ والمفكرينَ والأولياءَ، للمحافظةِ على أصالتنا، وحمايةِ بلادِنا ومُجتمعِنا من سُمُومِ الآخرين، عبر بوابةِ السياحةِ، وقد تزدادُ مُستقبلاً فتكونُ بوابةُ انحرافٍ خُلقي، وباعثةٍ لمشكلاتٍ أمنية، وطريقاً لانتشارِ الأدواءِ والأمراضِ الفتَّاكة ؟

إنني أُناشِدُ كلَّ غيورٍ، وصاحبَ مُواطنةٍ صالحةٍ للمساهمةِ في استدامةِ الأمنِ والإيمانِ في هذهِ البلادِ الطاهِرة، والبعدِ عن كلِّ أسبابِ الفسادِ والانحرافِ الخلقي، ومحمد r جاء - يوم بُعث - ليُتممَ مكارمَ الأخلاق، وجاءت شريعتُهُ ناهيةً عن اللهوِ والغفلةِ، وضياعِ الأوقاتِ، وتبذيرِ الأموال، وكانَ فيما أُوحي إليه: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِل عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولئِكَ لهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ) (سورة لقمان:6) .

سُئلَ ابنُ مسعودٍ t عن تأويلِ هذهِ الآية، فأقسمَ ثلاثاً هو الغناء، واللهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هو، وكذا قالَ ابنُ عباس، وجابرُ، وعكرمةُ، وسعيد بنُ جبير، ومجاهدٌ ومكحول وغيرهم، (تفسير ابن كثير 3/703) .

وفي السُنةِ النبويةِ تأكيدٌ على حُرمةِ الغناء، ففي صحيحِ البخاري: (( ليكُوننَّ من أمتي قومٌ يستحلونَ الحِرَ والحريرِ والخمرِ والمعازف ) ) (الفتح 10/51) .

وتأملوا كيفَ جُمعَ تحريمُ الغناءِ والمعازفِ مع تحريمِ الفروج، والحريرِ والخمر؟ وما فتئَ علماءُ الأمةِ الربانيون يُحذِرُونَ من فتنةِ وعبوديةِ الشهوات.

يقولُ الشافعي - رحمه الله: (من لزمَ الشهواتِ لزمتهُ عبوديةُ أبناءِ الدنيا) (سير أعلام النبلاء 10/97) .

ويقولُ ابنُ تيميةَ - رحمهُ الله: (والعشقُ والشهواتُ إنَّما يُبتلى به أهلُ الإعراضِ عن الإخلاصِ لله، الذين فِيهم نوعٌ من الشركِ، وإلاَّ فأهلُ الإخلاصِ كما قال تعالى في حقِّ يوسفَ- عليه السلام-:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلصِينَ ) ) (سورة يوسف:24) (الفتاوى 15/421) .

وأخيراً أحذر أخي المسلم، أختي المسلمة أن نكونَ ممن قالَ اللهُ فيهم: (( فَخَلفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا ) ) (سورة مريم:59) .

اللهمَّ احفظنا بحفظك، واكلأنَا برعايتك، وحبب إلينا الإيمانَ، وزينهُ في قُلوبِنا، وكره إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين .

اللهمَّ احفظ بلادَنا وبلادَ المُسلمِينَ من كلِّ سُوءٍ ومكرُوه

إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونسعينهُ ونستهديه، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً. أما بعد:

أمةَ الإسلام: ألوانٌ من الدمارِ، وصورٌ من الإرهاب، طائراتٌ تقصف، ودباباتٌ تدمر، وأصواتُ القذائفِ تصمُ الآذانَ بالليلِ والنهار، البيوتُ تتهاوى على رؤوسِ أصحابِها الآمنين، الحرائقُ تشتعلُ في كلِ مكان، والدخانُ يكّون سحائبَ تحجبُ الرؤية .

طفلٌ حائرٌ يتلفتُ حولَه لا يدري أين يسير ؟ والدهشةُ تعقدُ لسانَهُ من الهولِ الذي أطارَ صوابَه ؟!! وامرأةٌ عجوزٌ تسيرُ في كلِ اتجاهٍ والرعبُ والخوفُ يملأُ جوانِحَها، لا تدري ماذا تصنع ؟ وانجلى الغبارُ عن أسرٍ كاملةٍ تحتَ الأنقاض ، وأشلاءٍ ممزقةٍ في الأزقةٍ والطرقات، والجرحى ينزفُون وقد مُنعت سياراتُ الإسعافِ من الوصولِ إليهم، والجثثُ لم تجدْ من يُواريها، وجنودُ الاحتلالِ ودباباتُهم منتشرةٌ في أنحاءِ المدينة، نموذجٌ متكررٌ على أرضِ فلسطين الأبيةِ الصامدة، أرضُ الأنبياء ،ومسرى محمدٍ r ، الأرضُ المباركة، يعبثُ فيها إخوانُ القردةِ والخنازيرِ فساداً ودمرا .

دمُ المصلين في المحرابِ ينهمرُ *** والمستغيثونَ لا رجعٌ ولا أثرُ

والقدسُ في قيدها حسناءُ قد سُلبتْ *** عيونُها من عذابِ الصمتِ تنتظرُ

سلوا الملايينَ من أبناءِ أمتنِا *** كم ذُبِحوا وبأيدي خائنٍ نُحِروا

سلوا بلادي سلوا لبنانَ *** ما برحتْ دماؤنا في ثراها بَعدُ تَستعرُ

تُساءِلُ الليلَ والأفلاكَ ما فعلتْ ؟ *** جحافلُ الحقِ لما جاءَها الخبرُ ؟

هل جُهزت في حياضِ النيلِ ألويةٌ *** هل في العراقِ ونجدٍ جلجلَ الغير

هل قامَ مليونُ مهديٍّ لنصرتِها *** هل صامِتُ الناسِ هل أودى بها الضجرُ

هل أجهشتْ في بيوتِ اللهِ عاكفةٌ *** كلُّ القبائلِ والأحياءِ والأسرُ

أما لنا من صلاحِ الدينِ يعُتِقُنا *** فقد تطاولَ باستعبادِنا الغجرُ

إذا تطاولَ بالأهرامِ منهزمٌ *** فنحنُ أهرامُنا سلمانُ أو عمرُ

أهرامنُا شادَها طه *** دعائِمُها وحيٌ من الله لا طينٌ ولا حجرُ

أهرامنُا في ذرى الأفلاكِ شامخةٌ *** هي السماحةُ وهي المجدُ والظفرُ

أمة الإسلام: لقد ملّت الأمةُ من النواحِ والبكاء، ولم يجدْ شيئاً، وآن لها أن تنظرَ في قضيتِها بوعيٍ وإدراك، وتتجهَ باتجاهِ الحلِ الصحيحِ الناجعِ لمشكلتِها مهما كانَ قاسياً ومُكَلفا، ومهما ترتبَ على ذلكَ من خصوماتٍ وعداواتٍ، وتجدولَ حركتَها بالاتجاهِ الصحيحِ بحيثُ لا تتراجعُ إلى الوراء.

أيُّها المسلمون: إنَّ ما يجري الآنَ على أرضِ فلسطين مؤامرةٌ محليةٌ وإقليميةٌ ودولية .

إنَّ المخلصين من أبناءِ فلسطين يُشكلون عقبةً أمامَ الحلولِ الاستسلاميةِ، وأطروحاتِ الانبطاحِ لليهودِ، وأمامَ مشاريعِ التطبيعِ، ومسخِ الأمةِ المسلمةِ لصالحِ إخوانِ القردةِ والخنازير، ومن أجلِ عيونِ عُبَادِ الصليب ، ولذا تواطأتِ القوى المحليةُ والإقليميةُ والدوليةُ للقيامِ بهذه المسرحيةِ لتحقيقِ ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت