** المبحث الأول: مفهوم الحكمة:-
* تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي:
ذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، واختلفوا على أقوال كثيرة ، فقيل:
الحكمة: النبوة ، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخة ومنسوخة ، ومحكمة ومتشابهه ، ومقدمة
ومؤخره ، وحلاله وحرامه ، وأمثاله . وقيل الإصابة في القول والفعل ..
وقيل: معرفة الحق والعمل به ، وقيل العلم النافع والعمل الصالح ، وقيل: الخشية لله ، وقيل: السنة وقيل: والورع في دين الله ، وقيل العلم والعمل به ، ولا يسمى الرجل حكيماً إلا إذا جمع بينهما ، وقيل: وضع كل شيء في موضعه . وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة .
فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف ، لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء
الذي هو بمعنى الفصل بين الحق الباطل .
-والحكمة في كتاب الله نوعان:
مفردة: كقوله تعالى [ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ]
وهذه الحكمة فسرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة وهذا النوع كثير في كتاب الله تعالى .
-أما الحكمة المقرونة بالكتاب:
فهي السنة من: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، وتقريراته ، وسيرته ، كقوله
تعالى:[ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
إنك أنت العزيز الحكيم ].
وممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب والسنة: الإمام الشافعي والإمام ابن القيم ، وغيرهما من الأئمة .
** المبحث الثاني: أهمية الحكمة:-
1-قد أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة فقال:
[ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ]
2-إنه من يتتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره،
وخاصة في دعوته إلى الله عز وجل ، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجا بفضل الله
تعالى ، ثم بفضل هذا النبي الحكيم صلى الله عليه وسلم الذي ملأ الله قلبه بالإيمان والحكمة.
3-من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين ، والرفق ، والعفو ، والحلم .. فحسب ، وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة ، فإن الحكمة قد تكون:
* باستخدام الرفق واللين ، والحلم والعفو ، مع بيان الحق علماً وعملاً واعتقاد بالأدلة ،
وهذه المرتبة تستخدم لجميع الأذكياء من البشر الذين يقبلون الحق ولا يعاندون.
* وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة المشتلة على التريب في الحق والترهيب من الباطل ، وهذه المرتبة تستخدم مع القابل للحق المعترف به ، ولكن عنده غفلة وشهوات وأهواء تصده عن اتباع الحق .
* وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن ، بحسن خلق ، ولطف ، ولين كلام ، ودعوة إلى الحق ، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية ، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة ، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو ، بل لا بد أن يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق ، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد .
* وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة: بالكلام القوي ، وبالضرب والتأديب وإقامة الحدود لمن كان له قوة وسلطة مشروعة ، وبالجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف والسنان تحت لواء ولي أمر المسلمين مع مراعاة الضوابط والشروط التي دل عليها الكتاب والسنة ، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد ظلم وطغى ، ولم يرجع للحق بل رده ووقف في طريقه .
4-الحكمة تجعل الداعي يقدر الأمور قدرها فلا يزهد في الدنيا والناس بحاجة إلى النشاط والجدل والعمل ، ولا يدعو إلى التبتل والانقطاع والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم ، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء وهم في مسيس الحجة إلى تعلم الوضوء والصلاة .
5-الحكمة تجعل الداعية إلى الله يتأمل ويراعي أحوال المدعوين وظروفهم وأخلاقهم وطبائعهم ، والوسائل التي يؤتون من قبلها ، والقدر الذي يبين لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها والطريقة التي يخاطبهم بها ، والتنويع والتشويق في هذه الطريقة حسب مقتضياتها ، ويدعوا إلى الله بالعلم لا بالجهل ، ويبدأ بالمهم فالذي يليه ، ويعلم العامة مايحتاجونه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم ومستوياتهم ، ويخاطبهم على قدر عقولهم ، فالحكمة تجعل الدعية ينظر ببصيرة المؤمن ، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب مايقتضيه الحال ، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب ، وتنشرح له صدورهم ، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم واطمئنانهم ، وهذا كله من الدعوة إلى الله بالحكمة التي هي الطريق الوحيد للنجاح .
** المبحث الثالث: أنواع الحكمة:-
الحكمة نوعان:
-النوع الأول: حكمة علمية نظرية ، وهي الاطلاع على بواطن الأشياء ، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها ، خلقاً وأمراً ، وقدراً وشرعاً .