فهرس الكتاب

الصفحة 9369 من 9994

ويدخل في الغلول هدايا المسئولين؛ الهدايا التي تقدم لمن يلي مسئولية، مدير أو رئيس من أجل العمل، هذا يهدون له إما الموظفين عنده أو مراجعين له، ورد في الحديث: (هدايا العمال -يعني: المسئولين- غلول) لأنها هدية وهي في الحقيقة رشوة، لكنها تلبس ثوب الهدية، والدليل على حرمتها حديث عبد الله بن اللتبية الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الزكاة فجاء بعد الزكاة ومعه شملة، وقال: (هذه أهديت لي، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً عظيماً حتى لكأنه يفقع في وجهه حب الرمان، ثم نادى بالصلاة ولم تكن وقت صلاة، وقال وهو يخطب في خطبته المشهورة: ما بال أقومٍ نستعملهم على الزكاة فيعودون ويقولون: هذا لبيت مال المسلمين وهذا أهدي لنا، أفلا قعدوا في بيوت أمهاتهم أكان يأتيهم شيء) قال العلماء: فلا يجوز قبول الهدية ممن يهدي لك من أجل الوظيفة إلا أن يكون بينك وبين هذا الرجل الذي يهدي لك صلة قبل الوظيفة وأنت وهو تتهادون قبلها، أما هدية فقط من أجل الوظيفة فهذه رشوة، وهي محرمة، وعلى المسلم أن يكون طاهراً نظيف البطن لا يدخل في بطنه ولا في بيته شيء، لماذا؟ لأن الدولة جزاها الله خيراً ما جعلت لأحد حاجة، كل مسئول يستلم رواتب ضخمة تكفيه إذا كان عفيفاً وشريفاً يريد الحلال. هذه -أيها الإخوة- بعض المشاهد والصور التي يأتي بها الإنسان إلى الله يوم القيامة، بقي أشياء لكن ضاق الوقت عنها، وأسأل الله عز وجل أن يمد في العمر والأجل حتى نكملها في فرصة أخرى، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يبقى فينا ولا معنا ولا منا ولا إلينا شقياً ولا محروماً. اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرها من ديار المسلمين بسوء أو شرٍ أو كيد أو مكرٍ فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم وفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا ومشايخنا إلى خدمة هذا الدين، وانصرهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ووفقنا لما تحبه وترضاه إنك ولي ذلك والقادر عليه.

سعيد بن مسفر

أسباب التذبذب في دين الله وعدم الثبات

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: إن ظاهرة التذبذب وعدم الثبات والاستقرار عند حد معين من الالتزام بالدين، والبقاء في صعود وهبوط، وفي ارتفاع وانخفاض، وفي مد وجزر، ظاهرةٌ ملاحَظَةٌ في هذا الزمان، إذْ نرى البعض من الناس يهتدي وتُلاحَظ عليه علامات الهداية من حرصه على الفرائض، وتمسكه بالسنة، وابتعاده عن قرناء السوء، وعن مقارفة الآثام، ثم ما يلبث أن تمر عليه فترة طالت أو قصُرت حتى يبرد في إيمانه، وينهزم في استقامته، ويعود إلى ما كان عليه، بل يعود بعضهم إلى أسوأ مما كان عليه. هذه الظاهرة هي ظاهرة مَرَضية، وهي خطيرة جداً، ينبغي للإنسان أن يحذرها، وأن يتجنب الوقوع فيها لعدة أسباب:

تعلق ظاهرة التذبذب بحسن الخاتمة

السبب الأول: أنها متعلقة بحسن الخاتمة: فإن الإنسان لا يدري متى يموت، وقد يهتدي ويلتزم ثم ينهزم، فيموت في ساعة الانهزام، قد يعيش طول حياته متمسكاً بطاعة الله، ثم في لحظة من لحظات السيطرة النفسية والغلبة الشيطانية يرجع -والعياذ بالله- فتأتيه مَنِيَّته في هذه اللحظة فيُخْتم له بسوء الخاتمة فيخسر دنياه وآخرته، وهذه خطيرة جداً، إذ أن حسن الخاتمة عليه المعوَّل في استقامتك -أيها الإنسان- وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) . وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يُفْهَم عند كثير من الجهلة -الذين يصطادون في الماء العكر- فهماً مغلوطاً، الحديث الصحيح يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذارع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) وفي روايات كثيرة: (فيسبق عليه الكتاب) وفي رواية: (فيما يظهر للناس) وفيه عدة روايات، لكن هذا مضمون الحديث. هذا الحديث فيه حث وتحفيز شديد من النبي صلى الله عليه وسلم لمن يعمل بعمل أهل الجنة أن يتمسك، وأن يثبت عليه حتى يموت، إذ ربما تركه وعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، ولا ينتفع بما عمل من عمل صالح طول حياته. وفيه حث لمن يعمل بعمل أهل النار، أن يسارع في التوبة والرجوع إلى الله عز وجل؛ إذْ ربما يتوب هذه اللحظة ويرجع إلى الله في هذه الساعة، فيموت بعد أن عمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة. هذا هو المفهوم الصحيح لهذا الحديث. وليس مفهومه كما يود المنهزمون أن يبقوا عبيداً لشهواتهم، منهزمين أمام نزواتهم، يلبُّون رغباتهم، ويتركون طاعة الله ويقولون: ربَّما أنا أعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بيني وبينها إلا ذراع وبعد ذلك أدخل الجنة. لا. هذا كلام فارغ، حسن الخاتمة أمر هام، وقضية الثبات متعلقة بحسن الخاتمة.

أعلى الصفحة

تعلق ظاهرة التذبذب بالقلوب التي هي ميدان السباق

السبب الثاني: أن ميدان الثبات وحَلَبة السباق فيه: القلوب: والقلوب أمرها بيد الله، وهي حساسة وكثيرة التأثُّر، وسريعة التغيُّر، بحسب العوامل والمؤثرات التي ترد عليها.

وما سُمِّي الإنسانُ إلا لنسيهِ ولا القلبُ إلا أنه يتقلبُ

فالقلب ينتابه حالات كثيرة جداً من التغيرات، فالإنسان الميدان الحقيقي وحَلَبة الصراع هي داخل قلبه وليس شيئاً مادياً ينفقه. فلو كانت القضية معلقة بالعين لكان في إمكان الإنسان أن يغمضها، أو في اليد لكان في إمكانه أن يكفها، أو في الأذن لكان في إمكانه أن يحفظها، أو في الرِّجل، أو في أي جارحة، لكن القضية في القلب، والقلب كيف تدخل عليه؟ صعب، فالقضية معلقة بالقلب؛ ولصعوبة الأمر ولأن الجوارح كلها تنطلق بتصرفاتها من توجيهات القلب -إما بالإيجاب أو بالسلب وإما بالخير أو بالشر- كان من الضروريات أن تحرص باستمرار على ثبات قلبك على دين الله. فمتى ثبت القلب على الدين ثبتت كل الجوارح، ومتى انصرف القلب وزاغ عن الدين انصرفت كل الجوارح؛ لأنها تابعة له وهو الموجه والمسيِّر لها، إما بالحسن أو بالسيئ.

أعلى الصفحة

كثرة الثقافات والأفكار الغربية الهدامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت