نعم قد تنظر نظرة إلى حال المسلمين وضعفهم، قد تتهم المسلمين بالتقصير وكذا إلى آخره, لكن احذر كل الحذر أن تتهم الدين الذي ترجع إليه, احذر كل الحذر أن يصل الأمر إلى الدين, أخطر فتنة تمر على الإنسان في مثل هذه الأحوال التي ذكرناها أوأن تتجه التهمة إلى الدين, الإنسان المستبصر الذي يعرف الأمور بشكلها الصحيح يتهم نفسه بالتقصير، ينظر إلى المعاصي، يرى العقوبات الربانية فينظر إلى فعل الأمة وتصرفاتها، ولكنه لا يمكن أن يتجه إلى اتهام الدين إذا سلم المسلم، وإذا سلم طالب العلم من هذه القضية فهي بداية النظرة الصحيحة، أخطر ما يمر على الإنسان في هذا الموضع أن يبدأ يشك في دينه ومنهجه، إما يشك في دين الإسلام مثلا، أو يشك في منهج أهل السنة والجماعة خصوصا، فإذا وصل به الأمر إلى هذه الحالة فليعلم علم اليقين أنها بداية الحيرة والشك، ودخول في وسط الفتنة، نسأل الله السلامة والعافية، أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أصابتهم الفتن والشدة مع أن قائدهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في زمن الصحابة، كان قائد المنهج الدعوي هو محمد صلى الله عليه وسلم، من شك فيه فقد كفر، ومع هذا وصلت الشدة بالمسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يذكره الله عز وجل في قوله تعالى: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) ) (البقرة: 214) .
ومع هذا ما تطرق الشك إلى دينهم أبدا، نحن في عالم اليوم عالم الصراع الضخم، هذه الفتنة الكبرى وهذه الطامة العظمى التي تحيط بعالم اليوم ينبغي أن ننطلق من خلالها، أن نور الإسلام وحق الإسلام، وصحة هذا الدين لم يتغير ولن يتغير أبدا، هذا هو الأساس الأول الذي ينطلق منه المسلم بالنسبة لهذه الفتنة التي هي الطامة الكبرى التي ترد علينا هذه الأيام .
الأمر الثاني: سنة المداولة:
فيما يتعلق بفتنة غلبت الكفار وضعف المسلمين، ينبغي للمسلم فيها أن ينظر إلى سنة الله عز وجل في كتابه وإلى سنة رب العالمين سبحانه وتعالى فيما جرى مع أنبياءه ورسله، ومع نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك, ما هي سنة الله عز وجل ؟ سنه الله عز وجل هي المداولة، لكن العاقبة للمتقين، من لم ينظر بهذه النظرة فلا بد أن يختل عنده التعامل مع الفتن الواقعة.
مثلا: بعض الناس اليوم يظن أن الإسلام لن ينتصر في يوم من الأيام، بعضهم ينظر اليوم إلى أن الغرب هو المسيطر ويبقى هو المسيطر ما بقي الزمن، هذه كلها نظرات تخالف ما هو منصوص عليه في سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما هو منصوص عليه في كتاب الله سبحانه وتعالى، بل يقول الواحد منكم وهل هناك من ينظر بذلك؟ نقول نعم هناك من ينظر بهذه النظرة العجيبة التي تتحدث عن أن الواقع المعاصر من خلال آلياته وتقنياته واختراعاته وفتنه كلها، أن هذا شيء يلازم ضعف المسلمين وغلبت الكفار للأبد، ونحن نقول كلا، احذر من هذا، نقول إذا قلت وآمنت وصدقت بهذا، في أن سنة الله عز وجل بالمداولة، وأن الله سبحانه ينصر عباده المتقين، بدأت تسلك الطريق الصحيح، هذه الفتنة اليوم هي من أعظم الفتن، وهذه النازلة الكبرى بالأمة الإسلامية هي من أعظم النوازل، لما هجم التتار على المسلمين واكتسحوا بلاد العراق، واتجهوا إلى بلاد الشام، نشأت عند بعض المسلمين هذه الفكرة الناشئة الآن، هذا الكلام قبل سبعمائة سنه كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى، قال قائلهم لن تقوم للإسلام قائمه؟ هذه النظرة في ذلك الزمن أمام هجوم الكفار، لكن العلماء المبصرين المستبصرين بنور الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم قالوا: بكل وضوح وصراحة لا، كيف يكون هذا, وواجهوا التتار وصدوهم، وما هي إلا فترة يسيرة وإذا بالتتار ينغمسون في المجتمع المسلم، فلا يبقى لمبادئهم شيء, إنه التعامل مع الفتن عند غلبت الكفار بمنهج الإسلام، لو تعاملنا مع فتنة الغرب اليوم وسطوة الكفار بهذين الأمرين لخطونا خطوات، ولسرنا في الطريق، ولهذا لما رأى أعداء الله عز وجل هذه الحالة المخيمة على المسلمين، بدءوا يتحدونهم، ما معنى أن يهان المصحف في غوانتناموا ؟ ثم يهان المصحف في سجون دولة اليهود.
المصحف نعم قد يهان لكن طريقة إخراج الإهانة هذه طريقة مدروسة، يعني ليست غلطة جندي غضب ثم بعد ذلك تسرب الأمر كما يظن البعض لا, هذه من باب الإذلال، يعني من باب الصفعات للمسلمين، كأنه يقول لكل مسلم ها نحن نهينك في أقدس مقدساتك وهو كتاب الله الكريم، كلام الله سبحانه وتعالى، نهينك ونعلن ذلك أمام العالمين، ولا نحاكم جنودنا وها نحن نتبجح بذلك, وصل الأمر بالأمة إلى مثل هذه الحالة، ومع ذلك كانت غضبة لبعض المسلمين سالت دماء في سبيله, في أفغانستان من أقصاها إلى أقصاها مات أناس في سبيل الله، في سبيل الدفاع عن القرآن
والغيرة على تدنيس هذا القرآن الكريم، ومن هنا نزلت فتنة أعظم من هذه الفتنة، أن يداس القرآن الكريم ثم يبقى كثيرا من المسلمين جامدا ساكتا، وكأنه لم يحدث أي شيء، والله إنها لحالة من الفتن، والله لا تكاد تتصور
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين.
ما هو المخرج من الفتنة ؟
إذا كان الله سبحانه وتعالى قد بين لنا في كتابه أحوال الفتنة وأخطارها، كما أن رسوله- صلى الله عليه وسلم- وهو لا ينطق عن الهوى بين لنا في أحاديث كثيرة أنواع الفتنة وأخطارها، وكل ذلك إنما هو للتحذير من أن نقع في هذه الفتن حتى نخرج من هذه الدنيا سالمين، وحتى تنتهي بنا حياتنا إلى نهاية سعيدة يختم لنا فيها بالدنيا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مخلصين بها مستيقنين، وفي الآخرة بالسعادة برضوان الله سبحانه وتعالى.
هذه لمحات في المخرج من الفتن.
المخارج من الفتن:
أولا: التعوذ بالله من شر الفتن:
إن من أهم المخارج من الفتن التعوذ بالله سبحانه وتعالى من شرها والمؤمن ليس له في كل أوقاته وأحواله إلا الله سبحانه وتعالى فكيف به إذا وقع في الفتن على مختلف أشكالها وصورها أنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كيف كان يدعو عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شر فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد ) ) رواه البخاري.
وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم و أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ) ).
إن المؤمن يجب عليه أن يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في كل أوقاته وأحواله داعيا ربه أن يعيذه من كل شر وفتنة.
ثانياً:الحذر من الانتكاسة:
الحذر من الانتكاسة في الفتنة لأن الانتكاسة تؤدي إلى انتكاسة القلوب حتى يصبح القلب مظلما لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرا.