فهرس الكتاب

الصفحة 8142 من 9994

في تلكَ المشاعر ِالمقدسةِ يُعانقُ المسلمُ العربي أخاهُ المسلمَ الأفريقي, ويحتضنُ المسلمُ الأسيوي أخاه المسلمَ الأوربي, وقد تناسى الجميعُ كافةَ الوثائق الرسمية, والهوياتِ الشخصية, والانتماءاتِ الوطنية, وانصهرتْ كلُّ العلائقِ في بوتقةِ الإسلامِ العظيمة. في هذه المظاهرِ كلِّها إعلانٌ لسقوطِ كلِّ الدعواتِ الأرضية, والعصبياتِ الجاهلية, والشعاراتِ القومية, والتي ما انفك يدعوا إليها سفهاءُ العالم, وشُذَّا ذ ُ الآفاق الذين ملئُوا الدنيا ضجيجاً، بدعواتِهم المتهالكة, وأطروحاتِهم الفارغة, متناسينَ بسفهٍ وغرور، أن قيمةَ الإنسانِ ووزنَه, ورفعتَه ومجدَه, إنما هو بمقدارِ تمسكهِ بالإسلام, وانتمائهِ للإسلام, واعتزازهِ بالقيمِ التي جاء بها الإسلام: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) (الحجرات:13) .

لا فضلَ لعربيَّ على أعجميَّ, ولا لأحمرَ على أسود إلا بالتقوى, إنه المعيارُ الأصلي, والمقياسُ الدقيق لتفاضلِ الناسِ وتمايزِهم, و وهو ذاتُ المعيار الذي رفعَ بلا لاً وعماراً وابنَ مسعود, ووضعَ أبا جهلٍ ومُسيلمةَ وأمثالهم , قاتلهم الله أنى يؤفكون.

وما فقدَ المسلمون عزتهم, ولا غابتْ هيبَتَهم, ولا استأسدَ عدوُهم، إلا يومَ تأرجحَ ميزانُ العدلِ في حياتِهم, وسادتْ الحزبيةُ في أوساطِهم, وارتفعتْ أسهمُ الطبقيةِ في مجتمعاتِهم.

وأما رابعُ دروسٍ الحجُ وفوائدَهُ الجليلة: فهو الإعلانُ الواضحُ أنَّ الطريقَ الوحيد لوُحدةِ الأمةِ وتماسكِها: إنما ينطلقُ من شِعابِ مكةَ وأرضِ عرفات. تلك الوحدةُ التي تقومُ على أساسِ العقيدةِ الواحدةِ, والإسلام الوسط, حيثُ الإلهُ الحق والنبيُّ المعصوم .

فهي وحدةٌ لا تُفَرَقُ بالحدودِ الجُغروفيةِ, ولا بالقيودِ القانونية, ولا تبني جسورَها على أساسِ المصلحةِ, أو الحزبيةِ الجاهلية, ولا ريبَ أنَّ أيَّ محاملةٍ وحدوية لا تقومُ على أساسِ العقيدةِ الصحيحة, فهي وحدةٌ آيلةٌ للتفككِ والانهيار, طالَ الزمانُ أو قصر.

والمتأملونَ في سيرةِ النبي صلى الله عليه وسلم يدركونَ جيداً كيفَ تمكنَ عليه الصلاة والسلام من بناءِ الوحدة, وصُنعَ التلاحمِ الوثيقِ بينَ أناسٍ كانوا إلى عهدٍ قريب, مضربَ المثلٍ في الشتاتِ والفرقة, والتشردِ والاختلاف, تسودُهم الحروبُ الدموية, وتسيطر عليهم العصبيات القبلية.

فإذا بعقيدةِ الإيمانِ تذيبُ كلَّ تلك العقباتِ الكؤود, وتختصرُ كلَّ المسافاتِ البعيدة, لتصنعَ ملحمةَ التوحيدِ الكبرى, وتقيمَ جدارَ الإيمانِ الصلب في زمنٍ أقربُ للخيال, وبجهدٍ أشبهُ بالمعجزات.

والمسلمون اليوم قادرونَ على إعادةِ المحاولةِ, وتكرارِ التجربةِ متى صدقتْ عزائمهم, وحسُنتْ نواياهم, وخلتْ نفوسُهم من الغشِ والخديعة, والمكرِ والاحتيال. وهم محتاجونَ للوحدة لاستعادةِ هيبتهم, وبناءِ أمجادهم, ودفعِ مسيرتِهم, نحو السيادةِ والريادة, فإنْ تعذرَ ذلك فلا أقلَّ من الوحدةِ لدفعِ الضالِ عن ديارهم, والذبِ عن حرماتهم, ووقوفِ النزيفِ فوقَ أرضِهم الذي أراقهُ شراذمُ يهود, وعلوج النصارى, يوم غابتْ الوحدةُ الجادة, واختفى مفهومُ الجسدِ الواحد.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .

أما بعد أيها المسلمون:

فإن للحجِ دروساً لا تُحصى, ومآثرَ لا تُنسى, وما لا يُدركُ كلُه لا يتركُ جلُه والمسلمونَ اليومَ أحوجُ ما يكونونَ إلى العودةِ إلى أصلِ دينِهم, وفضائلِ شريعتِهم, حيثُ مصدرُ العزة, وأساسُ النهضة, ,ومبعثُ القوة.

وهم بحاجةٍ إلى استخراجِ الكنوزِ, واستنباطِ الدروس, وتأملِ العبرِ التي تفضلَ بها الشرعُ الحكيم, فحرامٌ أن يمرَّ الحجُ بعدَ الحج, ورمضانُ بعد رمضان, والفرصةُ بعد الأخرى, دونَ أنْ يتقدمَ المسلمون ولو خطوةً واحدةً إلى الأمام, حرامٌ أن يظلَّ المسلمون في ذيلِ القائمة ومؤخرةِ القافلة, وهم ينتسبون إلى أعظمِ ملةٍ, ويحتضنونَ أكملَ شريعةٍ.

لقد آن الأوانُ أنْ يستيقظَ النائمون, وينتبهَ الغافلون, ويتقدمَ المتراجعون, فيرفعونَ رايةَ الشجاعةِ, ويحملونَ الدينَ بقوة, وينطلقون به إلى الآفاق يبلغونَ رسالاتِ اللهِ ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله, ما أعظمَها واللهِ من جناية, وما أفدحَه من خطأ, يومَ زهدَ المسلمون في دينِهم, واستخفوا بشرعِهم, فحرموا أنفسَهم وحرموا البشريةِ من بركاتِ أعظمِ الأديان, وأشرفِ الرسالات. فإذا بالعالمِ يتخبطُ في دياجيرِ الظلام, ويغرقُ في مستنقعاتِ الرذيلة, كلُّ ذلك يومَ تخلفَ الإسلامُ عن القيادة, وتخلى المسلمون عن الريادة ورضيتْ خيرُ أمةٍ أخرجتْ للناس بالتبعيةِ والدون.

ألا إنها دعوةٌ إلى إحياءِ شعائرِ الدينِ في النفوس, وتصحيح العقائدِ في القلوب, ومراجعةِ الواقعِ بصدقٍ وتصويبِ الخطأ بإنصاف, ألا إنها دعوةٌ لتوظيفِ الحجِ لمصلحةِ الإسلام, وبناءِ الأمةِ وإيقاظِ الغافلين بدءً من تحقيق التوحيد، ومروراً بإحياءِ سُنةَ الإتباع، وانتهاءً بنهضَةِ الأمةِ ووحدتِها وسيادتِها وريادتِها, وما ذلك على الله بعزيز .

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,

[1] المسند المستخرج على صحيح مسلم (2559) ورواه البيهقي في السنن الكبرى ( 9307) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً

إخوة الإسلام: وتتجدَّد المناسباتُ الإسلاميةُ، ويفيض الله من رحماته على المسلمين ما يستوجب الشكر والثناء على واهب النعم وقد عاد حجاجُ بيت الله بعد أن أدُّو مناسكهم بأمنٍ وأمان وصحة وعافية ينبغي أن تذكر فلا تنسى، ويُشكر الله عليها وهل أهلُ الحمد والثناء والشكر موصول ولن يضيع الله الأجر لكل من قدَّم خدمةً لحجاج بيت الله وهيء السبل والمرافق ووفر ما يحتاجه الحجاج خالصة لوجه الله .

أيها المسلمون: كثيرةٌ هي المعاني التي ينبغي أن يعودَ الحجاجُ مستشعرين لها، ومتلبسين بها في حال حلِّهم وإحرامهم وسفرهم وإقامتهم.

ولكنني أكتفي هنا بالوقوف عند أمرين عظيمين تبعث الذكرى بهما مناسك الحج، وإلا فالذكرى بهما واقعةٌ بكل حال ولا تكاد تخطئ نظر اللبيب في كل لحظة، ألا وهما: ذكرُ الله وتعظيمهُ وعداوةُ الشيطان ومراغمتهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت