ومن ذا الذي لا يتذكر عظمة الله وهو يبصر آياته في السماء والأرض، ويشهد وحدانيته في الأنفس والآفاق، وتأسره عظمةُ الصانع المبدع في كل حيٍ من الأحياء، بل وتشهد الجماداتُ الصمُّ بعظمة الخالق وتتفيء ظلالها ذات اليمين والشمائل سُجداً لله وهم داخرون.
إن قول: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) سهلة باللسان لكنها عظيمةٌ في الميزان، وهي وإن قلَّت حروفها فهي تحملُ أسمى المعاني وتُرسِّخ التوحيد، بهذه الكلمة بُعث المرسلون، وبها يُحكم بالإسلام أو الكفر، وعليها التقت جيوش الكفر والإيمان، وبها انقسمت الخليقة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان .
ذكرُ الله شعار المسلم بكلِّ حال، وبه أنُسه أنَّى اختلف الزمان أو تباعد المكان (( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) (الرعد:28) . (( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) ) (البقرة:152) ، (( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) ) (العنكبوت:45) .
وإذا تلبس الحاجُّ بالذكر من حيث يحرم ذاكراً لله مسبحاً بحمده وملبياً لله وحده لا شريك له، بل وقبل ذلك من حين خروجه من بيته مبتدئاً بدعاءِ السفر المشتمل على ذكر الله، ثم يظل الحاج مستصحباً لذكر الله في الطواف حول الكعبة وبين الصفا والمروة، وفي منى التي ترتج بذكر الله وتكبيره، وفي عرفات حيث أفضلُ الدعاء، وأفضلُ ما قال محمد صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله: (( لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ) )وحين الإفاضة من عرفات يطيب الذكرُ عند المشعر الحرام (( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) ) (البقرة: 198) .
وهكذا يستمر الذكرُ عند الجمرات وعند نحر الهدي، بل ويُأمر الحاجُ بذكر الله بعد قضاء المناسك وفراغها، والحق تبارك وتعالى يقول: (( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) (البقرة: 200-201) .
ولئن اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: (( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) )فقالت طائفةٌ: المعنى: الهجوا بذكر الله كثيراً كما يلهج الصبيُّ قائلاً: أبه، أمّه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، لهج المستغيث والمستنصر.
وقالت طائفة أخرى: كان أهلُ الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يُطعمُ ويحملُ الحمالات (من ديةٍ أو غرامة) ليس لهم ذكرٌ غير فِعِالِ آبائهم، فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: (( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) ).
وثمة معنىً ثالثٌ لطيف ما أحوج المسلمين في هذه الأزمان إلى تأمله، فقد قالت طائفةٌ: إن معنى الآية: اذكروا الله وعظِّموه، وذُبُّوا عن حُرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غضَّ أحدٌ منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم .
وفي هذا المعنى قال أبو الجوزاء لابن عباس: إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية ؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عُصي أشدّ من غضبك لوالديك إذا شُتما (تفسير القرطبي 2/431) .
وسواء كان هذا أو ذاك فالمقصود من الآية -كما قال المفسرون- الحثُّ على كثرة ذكر الله عز وجل، و (أو) هنا لتحقيق المماثلة في الخبر وليست للشك قطعاً ، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزيد منه (تفسير ابن كثير 1/355) .
إخوة الإيمان: وحيث يرتبط الدعاءُ بالذكر فتأملوا هذا المعنى الدقيق الذي أشارت إليه الآية بقوله: (( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) ) (البقرة: 200) .
قال ابنُ كثير:: أرشد تعالى إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنةُ الإجابة، وذمَّ من لا يسألهُ إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أُخراه فقال: (( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) )والمقصودُ التنفيرُ عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيدُ بنُ جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيثٍ وعام خصبٍ وعام ولادٍ حُسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان يجيءُ بعده آخرون فيقولون: (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ).
فأنزل الله: (( أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) ) (البقرة:202) .
عباد الله: تأملوا كيف ترتبط الدنيا بالآخرة في نظر الإسلام، وكيف يصحح الإسلامُ المفاهيم الخاطئة في هذا الدعاء الشامل الذي كثيراً ما نردده بألسنتنا وقد لا تستحضره قلوبنا: (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ).
فإن الحسنة في الدنيا تشمل كلَّ مطلوبٍ دنيوي من عافيةٍ ودار رحبةٍ، وزوجةٍ حسنة، ورزق واسع، وعلمٍ نافعٍ وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين.
وأما الحسنةُ في الآخرة فأعلاها دخولُ الجنة وتوابعهُ من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة.
وأما النجاةُ من النار فهو يقتضي تيسير أسبابهُ في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام (تفسير ابن كثير 1/355، 356) .
أيها المسلمون: وهكذا ينبغي أن يستذكر الحجاجُ وغيرهم عظمة الله فيذكروه ويشكروه ويذكروه ذكراً كثيراً ويسبحوه بكرةً وأصيلاً، يذكروه ذكراً تطمئن به القلوب وتنشرح له الصدور، يذكروه في حال اجتماعهم بغيرهم ليذكروهم عظمة الله، ويذكروه في حال خلوتهم فتفيضُ أعينهم خوفاً منه ووجلاً وليذكرهم الله في ملأ خير من ملئهم (( ومن السبعة الذين يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) ).
وذكرُ الله يستوجب تعظيم حرمات الله، والوقوف عند حدود الله وتعظيم شعائره (( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ) (الحج:32) .
وينبغي أن يشمل ذكرُ الله الذَّب عن دينه، والدعوة إلى هُداه، فليس الذَّبُّ عن الأعراض والأنسابِ بأولى من الذَّبِّ عن دين الله وحرماته، ولا ينبغي أن يطغى ذكرُ الآباء والأجداد والمفاخرةُ بمآثرهم على ذكر الله والانتصار لدينه، والذبِّ عن حماه تلك الحقيقة التي تمثلها العارفون فقال قائلهم:
أبا الإسلام لا أبا لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
إن ذكر الله يرفع أقواماً قعدت بهم أحسابُهم ولم ترق إليها أنسابُهم، وذكر الله يُكَثِّر القليل ويقوي الضعيف، هو سيما المؤمنين، وهو حرز من الشياطين، ذكرُ الله عُدَّةُ المجاهدين، وملاذ الخائفين، وقرةُ عيون الموحدين.