فهرس الكتاب

الصفحة 5124 من 9994

#رمضان والأمة بين عامين

د. علي بن عمر بادحدح

15/9/1425هـ

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

اكتمل القمر وانتصف الشهر ، واقتربت العشر .. وكل بداية تمضي إلى منتهاها ، وتصل إلى غايتها ، والعاقل المتدبر من يفكّر في العواقب ، ومن يستعد للخواتم ، ومن لا ينقطع في أثناء السير ، وكل مشمر له عزم ونية خالصة يوشك - بإذن الله جل وعلا - أن يتحقق له وعد ربه .. قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } .

ولا شك - أيها الإخوة الأحبة - أننا ننتظر في مثل هذا المقام أن يكون مختصاً بالحديث عن مزيد الطاعة والعبادة ، والأجر والفضيلة فيما بقي من هذا الشهر العظيم ، وفي عشره الأواخر على وجه الخصوص .. وهو أمر مطلوب ومرغوب ، وجدير أن نتحدث عنه ؛ ولكنني أعلم أن كثيراً مما يذكر في هذا الموضوع يكاد يكون محفوظاً في معرفة أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت إذا دخلت العشر أحيا ليله ، وأيقظ أهله ، وشد المئزر .. وأنه عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في كل عشرٍ أخيرة من شهر رمضان ، وأنه كان يخلي بينه وبين الخلائق ويتفرغ لصلته وما بينه وبين الخالق سبحانه وتعالى .

وكلنا يعرف ويستطيع ويجيد أن يتحدث عن ليلة القدر وفضيلتها ، وما ورد من أنها في أوتار الشهر .. وذلك أمر نحتاج أن نتواصل به ، وأن نتذكره لاسيما وأن صور من الواقع - للأسف الشديد - تعارضه وتناقضه وتخالفه ، فعشر الذكر والتذكر والاعتبار نراها عشر اللهو والتسوق والانشغال ، ومع عشر الليل الذي يحيى بالتلاوة والدعاء والركوع والسجود نرى العشر التي تشغل بشراء الأحذية والبحث عن الأكسية ، والاستعداد للأطعمة إلى غير ذلك مما هو معلوم !

ومع كل هذه المقدمة التي أحدثكم بها إنني لن أتحدث عن العشر ، ولا عن فضلها ، ولا عن ليلة القدر وأجرها لما ذكرته من المعرفة ، ولأنكم ستسمعون ذلك خلال الأيام القادمات في كل الكلمات والمواعظ .. غير أن وقفتنا اليوم عن رمضان والأمة بين عامين .. أليس جديراً بنا أن نتفكر في دور رمضان وأثر فريضة الصيام في أمة الإسلام .. ليس في الأفراد لِما يكثرون من تلاوة القرآن ، وما يزيدون من صلاة الليل ، وما يسعون إليه من أمور الخير هنا أو هناك .. لكن في تغير أحوال الأمة كلها .

أليس جديراً بنا - ونحن نمضي وتمر بنا الأيام وتتوالى الأعوام - أن ننظر إلى مسيرتنا ، ونقوّم ما اعوج منها ، ونكمل ما نقص منها ، ونستدرك ما فات منها .. هذه نظرات عامة ، ووقائع حاضرة ، وبين صورٍ من واقعٍ مؤلم تبزغ أنوار وبشريات لمستقبل مشرق بإذن الله جل وعلا ..

رمضان والوحدة

وحدة في العبادات ؛ فالأمة كلها تصوم الشهر في وقت واحد ، وعلى صفة وهيئة واحدة ، ووفق متابعة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم واحدة .. إنها أمة تصوم وتصلي وتزكي وتعتمر وتتلو القرآن ، وتكثر الذكر وتعظم الدعاء ، وتجتهد في الابتهال ، وتتواصل في التضرع .. إنها أمة يقول لها رمضان ما جاء في القرآن ، قال تعالى: { وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } .

إنها الأمة التي يذكرها رمضان بأن لها إلهاً واحداً ، لا تخضع إلا له ، ولا تخشى إلا منه ، ولا ترجو إلا إياه ، ولا تعتمد إلا عليه .. ليس في قلبها رهبة من الخلق وإن عظمت قوتهم ، ليس في نفوسها ذل للمخلوقين وإن عظمت أعطياتهم .. إنها أمة العبادة ، أمة واحدة يجمعها التعبد لله سبحانه وتعالى ، ووحدة في المشاعر .. وكلنا نردد هذا القول فنقول: إننا في رمضان نشعر بشيء من ألم الحرمان ، ونتذكر الفقير والمسكين .. ولكننا كذلك في وحدة مشاعرنا تشدنا هذه المشاعر إلى أن نرتبط بكل مسلم على ظهر الأرض من أقصى الصين شرقاً إلى أقصى المغرب غرباً ، ونذكر كل دمعة تذرفها أمٌّ فلسطينية ، وكل دمٍ يراق على أرض العراق ، وكل بيت يهدم فوق رؤوس ساكنيه ، وكل جريمة ترتكب في حق أمتنا هنا أو هناك ، ألم يكن رمضان هو الذي يوحّد مشاعرنا ، ويربط قلوبنا ، ويجدد وحدتنا ، ويقوّي آصرتنا ، ويذّكرنا بتاريخنا ، ويلزمنا باستعادة ترتيب صفوفنا ؛ فإن رمضان يمر علينا وحينئذٍ لا نخرج منه إلا بآيات تتلى ، وأذكار تتردد ، وركعات تصلى ، وربما تكون القلوب ليست فيها حاضره ، والنفوس ليست بها متأثرة .. فهل نرضى لأنفسنا ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس أن يكون حظها من فريضة من الفرائض ، وركن من الأركان هو هذا الزاد الضئيل ، والتأثير الخافق الذي لا يكاد يبين لننظر بين عامٍ مضى وعام أتى ما الذي في أمتنا جرى ؟!

ولنتنبه إلى صور أخرى في رمضان:

رمضان والتكافل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت