هذا في مجالات وامتحانات الدنيا، لكن امتحانات الآخرة يقول الله: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ [القصص:65-66] . فيا إخواني في الله: لا بد أن نتفكر، وأن نعرف كيف نجيب المرسلين، بمراجعة الأوامر والنواهي، ومعرفة الطلب الذي طلبه منا الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف أجبناه، حتى نأتي يوم القيامة مثل ذلك الطالب الذي أعطى ما في رأسه، وخرج يذاكر مادة ثانية، نأتي يوم القيامة وقد أجبنا المرسلين، ماذا كنت تقول في هذا الرسول؟ صدقت به وآمنت وشهدت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقال في القبر: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، أما ذاك الذي ما علم شيئاً يقول: هاه هاه -مثل ذلك الذي ما عنده شيء- هاه هاه لا أدري، فيقال له في القبر: لا دريت ولا تليت، أي: جعلك الله لا تدري، فيضرب عند رأسه بمطرقة فيكون طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه، هذا يضربه الفتان؛ فتان القبر هذا موكل بفتنة الكفار في القبور، وهذا أصم أبكم أعمى، أصم فلا يسمع بكاء، أعمى فلا ينظره حتى يرحمه، أبكم فلا يتخاطب وعنده مرزبة، ويضرب في الرأس، لماذا كنت عاصياً، فاجراً، عدواً لله! لكن يا أخي! ليس لك في الورطة هذه كلها يا أخي! امش في الخط، اضبط المسار على هدي النبي صلى الله عليه وسلم -والله- تكسب الدنيا والآخرة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو؛ أن يلهمني وإياكم الحجة وأن يقيمنا وإياكم على الطريق الصحيح، وأن يثبتنا وإياكم على الإيمان حتى نلقاه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
مصير من يهجر القرآن
هجر القرآن سبب من أسباب عذاب القبر، ففي صحيح البخاري ، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، في حديث الرؤيا الطويل، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه أتياه رجلان فقالا له: انطلق انطلق فانطلق بهما ومر على أناس يعذبون في البرزخ، ومن ضمنهم أنه رأى رجلاً مستلقٍ على ظهره وآخر على رأسه بحجر يرضخ رأسه ثم يتدحرج الحجر، فلا يعود له ويأخذه إلا وقد أعاد الله ذاك كما كان، فيرضخه، وكلما ذهب الحجر أتى به ورضخه، فقال لجبريل ولمن معه: ما هذا؟ فقال له: هذا الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة) رأس مليء بالنفاق، أخذ القرآن وحفظه ثم رفضه. والله بعض الحفظة الآن يمر عليه الشهر والشهران لا يقرأ آية، وهو قد حفظ القرآن، هذا وعيد شديد على من هذا فعله، لا حول ولا قوة إلا بالله! أنار الله بصيرته، وقذف الله القرآن في قلبه، وجعله مستودعاً وقمطراً للعلم.
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
وتجد بعضهم قد استعاض عنه بالأغاني والمسلسلات، والصحف والمجلات، واللهو واللعب، وترك القرآن، هذا ثقل رأسه عن القرآن، فتولد عنه الإعراض عن القرآن، تثاقله عن الصلاة المكتوبة؛ لأن القرآن هو الذي يبعث فيك الإيمان، فإذا هجرت القرآن وثقل رأسك عنه فإن النتيجة حتمية أن يثقل رأسك عن الصلاة، فلا تقوم إلى الصلاة، ولا بد لكل رأس خربان من دواء، ودواء هذا الرأس الخربان أن يرضخ في القبر بحجارة. يا إخواني! والله ما تتحمل العي، إذا كان عندك قدرة فخذ حجراً صغيراً ودق بها أُصبعك، فكيف إذا رضخت بها على رأسك؟ -والعياذ بالله-. وسوف -إن شاء الله- نتكلم بشيء من الإسهاب، وجمع للأدلة على هجر القرآن؛ وأنه كبيرة ومعصية من المعاصي الكبيرة، وعلى نسيان القرآن، وعلى المراء في القرآن، وعلى عدم التحاكم إلى القرآن، وتدبر القرآن، وقراءة القرآن؛ لأنه نور أراد الله لهذه الأمة أن تعيش به، ونفخ فيها الحياة به فجعله روحاً لها، قال عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً [الشورى:52] هو روح للأمة بمعنى: الذي ليس عنده قرآن، جسده ميت لا حياة فيه: رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:52-53] .
سعيد بن مسفر
ضرورة التدبر لمعاني آيات القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبقِ فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، وارزقنا تلاوته، والتأمل والنظر فيه، والعمل بأحكامه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، يا أرحم الرحمين! هذا الدرس يلقى في مدينة جدة بمسجد (الأمير متعب) في مساء يوم السبت، الموافق: (23/جمادي الثاني/1415هـ) ، وهو بعنوان: (تأملات قرآنية) ، ليس تفسيراً، وإنما هو وقفات وتأملات ونظرات، تتبعتُها وجمعتُها من كلام بعض المفسرين، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينفعني وإياكم بها، وأن يرزقنا النظر والتأمل والتفكر والاعتبار في هذا القرآن العظيم. إن من أعظم المصائب التي مُنِيت بها الأمة أيها الإخوة: أن حيل بينها وبين كتاب ربها، تقرأه ولكنها لا تعيه ولا تفهمه، تجد الرجل يقبل على القرآن ويتناول المصحف ويهذُّه هَذَّ الشعر، وينثره نثر الدَّقْل، وينتهي من آخر سورة، وتسأله: ما الذي فهمت من خلال هذه القراءة؟! فلا تكاد تجد أنه قذفهم شيئاً، وإنما يقرأ وهمه آخر السورة. إن القرآن ما أنزل لهذا أيها الإخوة! لقد طلب الله منَّا أن نتأمل القرآن ونتدبره، قال تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29] . ويقول عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] . إذا وجدت أنك لا تعي ولا تتدبر ولا تتأمل ولا تعتبر فلتعرف أنَّ على قلبك قفلاً أو أقفالاً، فحاول أن تفتح هذه الأقفال، وأن تزيلها حتى تدخل في ميدان النظر والتأمل في كتاب الله عز وجل، إنَّ على القلوب أقفالاً كثيرة أيها الإخوة؛ أقفال الشبهات، والشهوات، والماديات، والمشاغل.. كلها تحول بين الإنسان وبين فهم كلام الله عز وجل؛ ولكن إذا أزال الإنسان هذه المعوقات، وأبعد هذه الحواجز، ودخل بنية خالصة لوجه الله ليقرأ وليتأمل كلام الله، وليشعر مَن هو هذا المتكلم بهذا الكلامَ؟ وما هو هذا الكلام؟ أي عظمة لك يا أخي! أن يخاطبك الله من فوق سبع سماوات؟ أي عزة أن ينزل الله عليك قرآناً؟ أي كرامة أن تخاطَب من الملك الجليل تبارك وتعالى؟ إنه فخرٌ عظيم، ومقامٌ جليل، لكن لمن عرفه وقدره. والتأملات في هذه الدروس إن شاء الله ستكون من خلال النظر في سورة الأنعام.
سورة الأنعام وما تحتويه من معالم عقدية سامية
سورة الأنعام من السور المكية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة المكرمة، وهي كغيرها من السور المكية تحمل معاني غرس العقيدة في قلوب ذلك الرعيل الأول.
الاهتمام ببناء العقيدة بناءً صحيحاً وقوياً