إن القرآن الذي نزل في مكة المكرمة في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج قضايا العقيدة .. كان يهتم ويركز ويؤسس ويبني القضايا الهامة في الدين، وهي بمنزلة القواعد. إذا أراد إنسانٌ أن يقيم عمارةً فإن تركيزه يكون على: على دراسة التربة أولاً. ومعرفة قوة تحملها. ثم معرفة حجم الأساسات. ويبذل جهده ويركزه ويخسر كثيراً في سبيل تأسيس العمارة. وكلما فكر في أن يزيد أدوار العمارة ويرتفع بها إلى أعلى؛ كلما كان التفكير في التأسيس مناسباً لارتفاع العمارة. وبناء وعمارة الدين الإسلامي، بناء شامل، وعمارة ضاربة في جذور الزمن، وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكان لا بد أن يكون لها أساس قوي .. لا تُبنى على جرف هار حتى تنهار، ولا تبنى على تصورات واندفاعات وحماسات وخيالات وتذوقات، إنما تبنى على عقيدة في الله، توحي وتفسر كل ما هو حول الإنسان في هذه الحياة، مقتبسة من الوحي الرباني، والهدي النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. فكانت هذه المدة الطويلة -ثلاث عشرة سنة- من عمر الدعوة وهي تُصْرف في تثبيت هذه العقيدة قبل تلقي أي شيء من الأحكام، فلما ثبتت العقيدة، واستقرت حقائق الإيمان في النفوس، جاءت التكاليف الشرعية، فجاءت سهلة، بل طلبها الناس قبل مجيئها، طلبوا القتال قبل أن يؤذن لهم فيه، جاءت الصلاة فباشروها، والزكاة فدفعوها، والصيام فصاموا، والحج فحجوا، وتحريم الخمر فحرموه دفعة واحدة، منهم من كان الكوب في يده فرماه، ومنهم من كان في فمه فوالله ما شرب الشربة تلك فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] ؟! مباشرة: قالوا: انتهينا .. انتهينا، لماذا؟! لأن القاعدة قوية، والأساس سليم، ابنِ ما شئت، حَمِّل هذه القاعدة ما شئت؛ لكن يوم أن يُبنى البناء على قاعدة هشة لا تتحمل شيئاً، ولو كانت الطلاءات جميلة، والجدران مزخرفة، والنوافذ من الألمونيوم، والأبواب من الخشب، والفُرُش ضخمة؛ لكن الأساس فاسد، ولذا لا تعجب من دين إنسان مهما بلغ دينه .. مهما بلغت عبادته وأذكاره، انظر إلى التوحيد؛ فإن كان متيناً، وعقيدته قوية؛ فابن عليه، لماذا؟ لأنه أسِّس على رضوان من الله تبارك وتعالى، وعلى هدى، وإن كان شيئاً فارغاً من غير عقيدة ولا دين فإن هذا سينهار إما في الدنيا وإما في الآخرة.
أعلى الصفحة
معالجة سورة الأنعام لقضايا العقيدة الأساسية
هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية: قضية الربوبية أولاً. ثم قضية الألوهية. ثم قضية الأسماء والصفات. وهذه الأشياء الثلاثة هي أقسام التوحيد. واهتمام بعض الناس بالألوهية، والأسماء والصفات، وإغفال جانب الربوبية خطأ في الدعوة، لا بد أن نعمق توحيد الربوبية في قلوب الناس؛ لأنهم إذا عرفوا الرب وحَّدوه، لماذا يحصل الشرك في حياة الناس؟ لعدم معرفتهم بالرب تبارك وتعالى، أو يعرف معرفة ذهنية صورية؛ لكن نريد معرفة حقيقية، ولذا الذين عرفوا الله وحَّدوه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ [فاطر:28] مَنْ؟! الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] أي: إنما تقع الخشية والخوف لله من العلماء، العلماء يخشون الله؛ لأن مَن كان بالله أعْرَف كان منه أخْوَف.
أعلى الصفحة
توحيد الربوبية في سورة الأنعام
بث الله في كتابه الكريم الآيات العظيمة التي تدلِّل وتعمِّق وتؤسِّس في قلوب البشر توحيد الربوبية: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الأنعام:12] . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام:1] ، هذه ربوبية. قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا [المؤمنون:84] . قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام:12] . قل.. قل.. قل.. في القرآن الكريم وفي سورة الأنعام بالذات تأكيدٌ أكيدٌ وشديدٌ على قضية الربوبية. وعندما يحصل عند الإنسان قناعة ويقين على أنَّ الله هو خالق الكون لا يسعه إلا أن يوحِّد خالق الكون، يوحِّده بفعله؛ لأن توحيد الربوبية هو: توحيد الرب بفعل الرب، فلا تجعل لله شريكاً فيما فعل، فتعتقد أنه الخالق، والرازق، والمحيي والمميت، والمعطي والمانع، والمدبِّر، والمسيِّر لهذا الكون، لا ينازعه بهذا أحد، وهذا أقرَّ به المشركون؛ لكن يأتي نتيجةً لتوحيد الربوبية التوحيدُ الآخر وهو: توحيد الألوهية، وهو: توحيد الرب بفعل العبد.
أعلى الصفحة
توحيد الألوهية في سورة الأنعام
أنت عبد، والعبد من شأنه أن يكون عبداً وعابداً لله عز وجل، وهذه العبودية يجب أن تنصبَّ كلها في مسار التوحيد لله وحده، فكما وحَّدت الله بفعله، ولم تزعم بأن مع الله خالقاً، فلا بد أن توحِّد الله بفعلك، فلا تصرف لغير الله شيئاً من عبادتك، وهو: توحيد الألوهية؛ أن توحِّد الله بفعلك: فلا تعبد إلا الله. ولا تدعُ إلا الله. ولا تذبح إلا لله. ولا تنذر إلا لله. ولا تستغث إلا بالله. ولا تستعن إلا بالله. ولا تتوكل إلا على الله. ولا ترجُ إلا الله. ولا تخَف إلا من الله. ما رأيك إذا استقرَّت هذه القضايا في قلب الإنسان كيف سيكون توحيده؟! لا نعني بالاستقرار هنا الاستقرار الذهني، لا، بل الاستقرار اليقيني. إذا عرفتَ أن الحياة بيد الله، ماذا بقي عندك من خوف؟! إذا عرفتَ أن الرزق بيد الله، ماذا بقي عندك من الخوف من الفقر؟! من يبيع الدخان في دكانه إذا قيل له: لا تبع الدخان، هذا حرام، لا يجوز لك. قال: الدخان يجلب الزبون، إذا لم يوجد دخان يأتي الزبون يقول: هل يوجد دخان؟ فأقول: لا، فيذهب، ولا يشتري مني، لكن عندما يكون الدخان موجوداً فإنه يشتري مع الدخان جريدة وسكراً وأرزاً، يا هذا ليس الدخان هو الرزاق؛ لكن هذه عقيدته، مسكين! لم يوحد الله، لم يعرف توحيد الألوهية إلى الآن، هل الرزاق هو الدخان أم الرحمن؟! إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:58] هو الذي يجلب المشتري، ويجعله يقف على دكانك، ويشتري منك غير الدخان. أنت أيها الزبون عندما تشتري من السوق، لماذا تقف عند هذا وتصرف نفسك عن هذا؟ هل هذا أعطاك شيئاً أو دعاك، أو ذاك طردك؟! لا؛ لكن الرزاق جعل في مالك رزقاً لهذا فساقك إليه، ولم يجعل في مالك رزقاً لهذا فصرفك عنه فلماذا تعتقد أيها البائع في سيجارة أنها ترزق؟! لا إله إلا الله!! هذا خلل، ينبغي أن تراجع فيه نفسك وحساباتك، فتكون عابداً بكل تصوراتك وأحوالك.
أعلى الصفحة
قضية الأسماء والصفات وتبسيطها للناس