فهرس الكتاب

الصفحة 8323 من 9994

فلا ليلي له صبح منير ولا وجدي يقال له عثارُ

وكم من قائل والحي غادٍ يحجّب ظعنه النقع المثارُ

وقوفك في الديار وأنت حي وقد رحل الخليط عليك عارُ

ولكن العاقل هو الذي يستفيد من دروس الزمان، والقصص التي تجري على الإنسان في حياته.

وهذه القصة لها فوائد:

منها: الاستفادة من قصص التاريخ، حيث يجب على الإنسان أن يعي قصص التاريخ ويدرسها، حتى لا يقع في الخطأ الذي وقع فيه غيره، وحتى لا يكون ضحية مؤامرة قد وقع مثلها في سالف الأزمان، وهذه سنة الله جل وعلا أن تتكرر الوقائع والأحداث وصاحب البصيرة هو الذي يقلب التاريخ.

ولذا فالواجب على المؤرخين والعقلاء، وولاة الأمور الذين ولاهم الله سبحانه وتعالى على الناس أن يطلعوا على قصص التاريخ، ويعرفوا مكائد العدو، حتى لا يُدخل عليهم من حيث لا يشعرون.

ومنها: الحذر من تقريب العدو وإبعاد الصديق، ويقال إن سقوط دولة بني أمية كان سببه أنهم أبعدوا الصديق لأنهم قد أمنوا جانبه، وقربوا العدو واتخذوه صديقاً حتى يأمنوا شره!!

فما الذي حدث؟!

بقي العدو على عداوته وازداد عداوة وتمكينا، وأصبح الصديق عدواً.

لم؟

لأن الصديق إذا حرمته، ولم يجد منك وداً ولا مكانة، لعله لا يصبر فينقلب إلى عدو، وهذه فائدة مهمة ودرس مهم، ولذلك إذا وُجد الصديق يجب أن يعطى المكانة التي تنبغي له، وإذا وجد الإنسان الذي يرى منه حرصه على الأمة وعلى سلامة الناس وعلى توجيههم التوجيه السليم أن يُتخذ صديقاً، وأن يُعطى قدره الذي ينبغي له.

ومن الفوائد: اتخاذ المعين الصالح والمستشار المؤتمن، ولذلك قال الإمام ابن حبان البستي:"رؤساء القوم أعظمهم هموماً، وأدومهم غموماً، وأشغلهم قلوباً، وأشهرهم عيوبا، وأكثرهم عدواً، وأشدهم أحزاناً، وأكثرهم في القيامة حساباً، وأشدهم -إن لم يعفو الله عنهم- عذابا، ومن أحسن ما يستعين به السلطان على أسبابه، اتخاذ وزير عفيف ناصح، فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكره، وإذا ذكر أعانه، وإن سولت له نفسه سيئة صده، وإذا أراد طاعة نشّطه، فهو المحبب له إلى الناس، والمستجلب له دعاءهم".

وقال رحمه الله:"الواجب على السلطان قبل كل شيء أن يبدأ بتقوى الله، وإصلاح سريرته بينه وبين خالقه، ثم يتفكر فيما قلده الله من أمر إخوانه ورفعه عليهم، ليعلم أنه مسؤول عنهم في دق الأمور وجلها، ومحاسب على قليلها وكثيرها، ثم يتخذ وزيراً صالحاً عفيفاً نصوحاً، ولا يدوم مُلْكُ ملكٍ إلا بأعوان تطيعه، ولا يطيعه الأعوان إلا بوزير، ولا يتم له ذلك إلا أن يكون الوزير ودوداً نصوحاً، ولا يوجد ذلك من الوزير إلا بالعفاف والرأي، ولا يتم قوام هؤلاء إلا بالمال، ولا يوجد المال إلا بصلاح الرعية، ولا تصلح الرعية إلا بإقامة العدل، فكأن ثبات الملك لا يكون إلا بلزوم العدل، وزواله لا يكون إلا بمفارقته".

وقال بعض الكتّاب:"إن السلطان إذا كان صالحاً ووزراؤه وزراء سوء منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه، ومثله في ذلك مثل الماء الطيب الذي فيه التماسيح، لا يقدر أحد أن يتناوله وإن كان إلى الماء محتاجاً، وإنما الملك زينته أن يكون جنده ووزراؤه ذوو صلاح، فيسددون أحوال الناس، وينظرون في صلاحهم".

وكان كسرى يُعرف بالحكمة، ومن أقواله:"إنما الملك بالأعوان".

ومن فوائد هذه القصة: أنه ينبغي تقوية جيش المسلمين، خصوصا إذا كانت تلك البلاد مما يخاف عليها المسلم، ويظنها بعد الله ملجأ إذا حدث أي حادث، ومما يجب حمايتها، فيجب تكثير الجيش والإغداق عليهم، وأذكر مثالاً: هذه دولة النمسا يقال إن عدد أهلها أربعة ملايين، ومع ذلك لا تطمع أكبر دولة أن تقتحمها. لم؟!

يقال: لأنهم يجندون مليوني شخص، كلهم مدربون على السلاح، ومتى احتيج لهم وجُدوا.

فيجب تقوية الجيش، ألا ترى أنّ ابن العلقمي عندما أراد تضعيف تلك الدولة العباسية أضعف الجيش وقللهم، وأشار على الحاكم بتقليل رواتبهم، وهذا يؤدي بالإنسان إلى الحقد، لأن من طبيعة الإنسان أنه متى أعطي أحب، ومتى مُنع بغض، إلا من رحمه الله ووفقه للعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولكن مع هذه الشبهات والشهوات، متى يعرف الإنسان هذا الحق؟

ولذلك يجد من أهل الشر من يدخل عليه مدخل سوء، ويسوّل له شراً، ولكن عندما يعطى يشكر النعمة، وقد قيل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهموا فطالما استعبد الإنسان إحسان

ومن الفوائد التي يستفيدها المسلم: معرفة منزلة الولاء والبراء، والولاء والبراء هو أوثق عرى الإيمان بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلوات ربي وسلامه عليه:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" (6) .

كيف تعرف هذا الفرد معك أو عليك؟ إنما بالولاء للعقيدة الصحيحة، والبراء من العقيدة الباطلة، فيوالي أهل الإسلام وأهل التقوى، ويتبرأ من أهل الشر وأهل الضلال الذين يريدون في أمة الإسلام كيداً وضلالاً.

ومن الفوائد المهمة التي يستفيدها المسلم الذي يخاف على هذه الأمة الضياع: معرفة أحقاد أعداء الإسلام للإسلام وأهله، قال الله جل وعلا: {ما يَوَدُّ اْلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِن رَّبِّكُمْ} (7) ، وأكثر الناس شراً على أهل الإسلام وأهل السنة، هم أحفاد ابن العلقمي، وتأملوا في كتاب البداية والنهاية لابن كثير، سترون من بداية فتنة ابن سبأ إلى آخر حياة المؤلف، في كل زمن تظهر لهم مئات المكائد لأهل الإسلام.

ولذلك يجب على أهل الخير من الدعاة والمخلصين أن ينتبهوا لهذا غاية الانتباه، وأن يقربوا وجهات النظر، وأن يعلموا أن كثيراً من الأمور الإفسادية الموجودة، يجب أن تعالج بالحكمة وبالدليل الشرعي وبالنصيحة والهدوء وعدم الاستفزاز.

هذه الكلمات أبعثها رسالة لأهل الخير والمخلصين ممن ولاهم الله شأن المسلمين، سواءٌ كان حاكماً أو وزيراً أو متنفذاً، فإن هذه القصة التي ذكرت في سقوط دولة بني العباس إنما هو ربطُ واقعٍ قديم، بواقعٍ حاضر قد تؤدي الغفلة عنه إلى أن يتكرر ذلك الماضي المر الأليم حتى يكون واقعاً في أزماننا هذه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقي هذه الأمة كل شر، وأن ينجينا من مكائد الكائدين وأحقاد الحاقدين، وأن يسلمنا من مكائد أحفاد ابن العلقمي وأن يبصر ولاتنا بهم، وأن يوفقنا ويسددنا لصالح القول والعمل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

الهوامش:

(1) سورة يونس: 24.

(2) رواه البخاري: 2660.

(3) سورة الأعراف: 176.

(4) سورة نوح الآية: 4.

(5) سورة آل عمران الآية: 26.

(6) رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني، سلسة الأحاديث الصحيحة 998.

(7) سورة البقرة، الآية: 105.

لعله من المناسب جداً أن أكتب حول هذا الموضوع.. ذلك لأنه يمثل جريمة.. وأي جريمة.. قتلت الابتسامة.. زرعت الشقاء.. وهدمت بيوت العز بعد ارتفاعها.. وخاض أصحابها ـ وبالذات صاحباتها ـ في أوحال الجهل والضياع.. أرجو أن تستقبل هذه الكلمات برحابة صدر، دون تشنج أو توتر.. فإن مبدياها النصح ونهايتها السلامة..

لقد انتشر في مجتمعنا المسكين هذه الأيام (الزواج العرفي) وهو أن تتزوج المرأة رجلاً بصورة سرية دون موافقة وليها، بل دون علمه، ظنا منها وجهلاً أن هذا الزواج شرعي صحيح!!

وقد اتخذ كثير من الفساق ومتسلقي جدار العفة (هذا الزواج المكذوب) وسيلة لتحقيق مآربهم الدنيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت