فهرس الكتاب

الصفحة 7789 من 9994

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي سبَّحت الكائنات بحمده , جلَّ جلاله وتقدَّست أسماؤه , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له , يغفر الذنب ويقبل التوبة ويعفو عن السيئات , وهو شديد العقاب عزيزٌ ذو انتقام .

وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله , أرسله كما أرسل من قبله مَنْ يدعون إلى دار السَّلام , ويحذِّرون من المعاصي والآثام , فصلوات الله وتسليماته على نبيِّه وخليله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان .

أمَّا بعدُ:

فيا أيها الناس , اتَّقوا ربكم - سبحانه- وأطيعوه , واجتنبوا معصيته وراقبوه , يا أهل الإيمان استمعوا إلى خطاب الرحمن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (24-25) سورة الأنفال . فبعد أن أمر بالاستجابة لأوامره سبحانه وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنَّ بذلك سعادة الدنيا والآخرة والحياة الأبدية في النعيم المقيم , ذكر سبحانه أن أزمة القلوب بيده يصرفها كيف يشاء , فلا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئة الله , ثم أمر المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكر فيما بينهم فيعمَّهم الله بالعذاب .

أيُّها النَّاس:

لقد خلقنا الله لعبادته وطاعته , ورزقنا وأنعم علينا , وحذرنا من مخالفة أمره أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم , قال سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النور . إننا معاشر البشر ضعفاء في غاية العجز أمام قوة الله وقدرته , وسلطانه وقهره , {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (15) سورة فاطر , {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} (17) سورة فاطر .

أجل , ما أهون الخلق على الله إذا عصوا أمره وهم يأكلون من رزقه , ويسكنون على أرضه , ويتمتعون بنعمه من صحة وأمن ورَغَدٍ في العيش , {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} (53-54) سورة النحل , {إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} (60) سورة يونس , يقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} (67-69) سورة الإسراء .

فيَا أيُّها الإنسَان:

فكِّر في أمرك , وفتّش في حالك , وتأمّل في الأمر الذي أنت قادم عليه , كلنا مذنبون , ولكن هناك فرق بين من يفعل المعصية وهو كارهٌ لها , خائف من تبعتها وأثرها , ينظر إلى ذنوبه كأنه جبل يخاف أن يسقط عليه , وبين من يفعل المعصية ويرتكب الكبائر ويَصلُ الذنب بالذنب , غير مبالٍ بمحرَّم , ولا مؤدٍّ لواجب , بل يرى ذنوبه كأنها ذباب وقع على أنفه فقال بيده فطار , فيا أيها المفرِّط المغرور , ويا أيها العاصي لمولاه , وهو يسمعه ويراه , لا تنظر إلى حجم المعصية فقط , بل فكِّر في عظمة ربك الذي عصيته وهو ينعم عليك ويسترك , فلا تأمن العقوبة , ولا تستخف بآثار المعاصي , فوالله لتجدن أثرها ولو بعد حين , {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (45-47) سورة النحل .

فيا سبحان الله كيف لا ينتبه لنفسه:

مَن يتهاون في الصلاة ولا سيما صلاة الجماعة ؟ ومن يُصغي بسمعه إلى الباطل والأغنية ؟ كيف لا يبادر بالتوبة من يأكل ويتعامل بالمال الحرام , ومن يفعل الفواحش والآثام , ومن يتكلم بالفحش ورديء الكلام , ومن ينظر إلى القنوات والأفلام , ليت شعري ماذا سيقول المفرط المغرور , إذا بعثر ما في القبور , وحصل ما في الصدور , وبأي لسان يعتذر , {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (65) سورة يس . فلا إله إلا الله ما أصعب الموقف , وما أشد الأمر , وما أعظم الهول , الحجة قد قامت , والرسل قد بلغت , والنذر قد وصلت , وبراهين القرآن قد وضحت , وسنن الله في الأمم الخالية قد عُلمت .

قال بعض السلف: ثلاثةٌ أمرهم عجب: مؤمِّل الدنيا والموت يطلبه , وغافل وليس بمغفول عنه , وضاحك بملء فيه لا يدري أساخطٌ عليه ربه أم راضٍ .

وقال رجل لـ (داوود الطائي) : أوصني . فبكى وقال يا أخي: إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حيى ينتهي بهم آخر سفرهم , فإن استطعت أن تقدِّم في كل مرحلة زاداً لما بين يديك فافعل , فإن انقطاع السفر عن قريب , والأمر أعجل من ذلك , فتزود لسفرك فكأنك والموت نزل بك . وهيهات لا تدري متى الموت ينزل .

عبَاد الله:

المعاصي والذنوب تفسد القلب , وتضعف فيه تعظيم الربّ , تسبب في قلب العاصي الخوف والرعب , وتمحق بركة العمر والرزق , الذنوب والمعاصي: سببٌ لهوان العبد على ربه , تطفئ نار الغيرة والحياء , وتسبب تسليط الأعداء , ونزول العقوبات الإلهية , يقول الله سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (40) سورة العنكبوت , {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } (97-102) سورة الأعراف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت