فضيلة الشيخ: محمد مختار الشنقيطي
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا.
(صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا)
أما بعد فأحييكم بتحية الإسلام، بتحية من عند الله مباركة طيبة.
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم في بداية هذا اللقاء أن يجعل اجتماعنا اجتماعا مرحوما وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما وأن لا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقيا ولا محروما.
أيها الأحبة في الله:
من الذي يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل ؟
من الذي ينادي في كل ليلة هل من تائب فأتوب علية، هل من مستغفر فأغفر له ؟
من الذي ينادي: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي ؟
من الذي ينادي: يا عبادي إنكم تخطئون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني اغفر لكم ؟
من الذي ينادي: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
من الذي يرحم التائبين ويشملهم بعفوه ومغفرته وهو خير الغافرين ؟
من الذي عجت ببابه الأصوات فلهجت بالمعذرة والمسائل والحاجات فكان الله ولم يزل بها رحيما ؟
أيها الأحبة في الله:
يغفر الله للعبد ذنوبه ويستر له عيوبه، يغفر الله وهو خير الغافرين، ويرحم الله وهو أرحم الراحمين.
يغفر الله للعباد مغفرة لا تدع للعبد ذنبا صغيرا ولا كبيرا إلا محته، وتلك المغفرة التامة، مغفرة لما تقدم وما تأخر غفرها الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) .
يغفر لله للعبد ذنبه فلا يبقي له خطيئة أبدا.
جاء عثمان رضي الله عنه وأرضاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يحمل الذهب والفضة، فصبها في حجر النبي (صلى الله عليه وسلم) صدقة لوجه الله، فنزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأخذ الذهب بيديه، وقلبه بكفه فقال: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.
وجاء حاطب ابن أبي بلتعة فوقف على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قصته المشهورة وكتابه لأهل مكة، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه:
يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال (صلى الله عليه وسلم) :
دعه يا عمر، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
يغفر الله للعبد مغفرة تامة كاملة فلا يبقي له ذنبا ولا خطيئة، وبذلك يمشي على وجه الأرض مبشرا بالجنة.
يغفر الله للعبد ذنوبه فيرحمه إذا رحم خلقه:
مرت بغي من بغايا بني إسرائيل، كانت على المعاصي والفجور، فمرت على كلب يلهث الثرى فانكسر قلبها وأرادت أن ترحمه، فنزلت إلى البئر فملأت خفها ماء وسقت الكلب فشكر الله لها فغفر ذنوبها.
ومر رجل على غصن شوك في طريق المسلمين، فلما رآه قال والله لأنحينه عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فزحزحه عن طريقهم فزحزحه الله عن نار جهنم وغفرت ذنوبه.
الله أكبر إذا غفر الله لعبده، والله لا يُسأل عن أمره، ولا يعقّب في حكمه سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة في الله، يقف العبد بين يدي الله، يقف العبد بين يدي سيده ومولاه، يناديه رباهُ رباه، يناديه بعد الذنوب والخطايا، والعيوب والرزايا.
وقد أقضت مضجعه وآلمته وأكربته فلم يجد ملجأ ومنجى إلا إلى الله، فيقف بين يدي الله وقد أحزنته ذنوبه وأهمته عيوبه وأسرته خطاياه بعد أن ذهبت اللذة، وانقضت الشهوة وأعقبها العذاب والهوان، وأصابته بلية المعصية:
من فقر في يديه.
وسوء في حاله.
ومرض في بدنه.
وأحاط به ضيق المعاصي.
آلمته وأقضت مضجعه ,أقلقلته، عندها نظر يمينا وشمالا.
فإذا بالنفس الأمارة بالسوء قد خذلته، وإذا بالشيطان المريد قد خذله، فلم يجد إلا ربه لكي يقف بين يديه معتذرا، ويقف بين يديه نادما تائبا منكسرا.
فينادي ربه من صميم قلبه وفؤاده، وهو يعتقد أن لا أرحم من الله بخلقه.
ينادي ربه وهو على يقين أن الله أحلم وأرحم، وأن الله أوفى وأكرم، وأنه وإن كانت ذنوبه كبيرة فالله أكبر من كل شيء، وإن كانت عيوبه كثيرة فالله أرحم وهو الغفور الحليم.
فوقف بين يدي الله منكسرا، أسيرا حسيرا كسيرا مؤمنا بربه موقنا برحمته، فيناديه: