فهرس الكتاب

الصفحة 9119 من 9994

أيها المسلمون: إن من أسباب الرياء حب الجاه الذي هو ارتفاع المنزلة في قلوب الناس ومن غلب على قلبه حب هذا صار مقصور الهم على مراعاة الناس مشغوفًا بالتردد عليهم والمراءاة لهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد؛ لأن من طلب المنزلة في قلوب العباد اضطر أن ينافقهم ليتوصل إلى اقتناص قلوبهم، وهذا باب غامض يرجع إلى ثلاثة أصول: حب لذة الحمد، والفرار من الذم، والطمع فيما في أيدي الناس.

واعلم ـ رعاك الله ـ أن الحرص على طلب الجاه إما أن يكون من قبل الدنيا أو من قبل الدين، فإن كان من قبل الدنيا كطلب الإمارة والرئاسة لإدارة ونحوها فإنه يمنع خير الآخرة قال سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] .

وقل أن يوفق من طلب ذلك، بل يوكل إلى نفسه، ولذا ترى كثيرًا من هؤلاء يحبون أن يحمدوا على أفعالهم ويثنى عليهم بها وقد يطلبون من الناس ذلك، وقد يظهرون بعض الأمور الحسنة ليمدحوا عليها، وهو تزوير وتمويه.

أيها المسلم: لا يغرنك تغلب المرائين في البلاد وتسلطهم على العباد، فإن ذل المعصية في قلوبهم ورقابهم، أبى الله أن يذل من عصاه.

عباد الله: وأما إن كان طلب الجاه من قبل الدين كالعمل والعلم والزهد فالأمر خطير قال عليه الصلاة والسلام: (( من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة أي ريحها يوم القيامة ) ).

ولهذا كان أول الناس عذابًا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة وندامة يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ثلاثة -فذكر الحديث إلى أن قال -ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت: قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ) ) [الحديث رواه مسلم] .

أجارني الله وإياكم من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واعلموا أن الرياء محبط للأعمال وسبب لمقت الله، فجدير بك أيها المسلم أن تعالج نفسك منه. وذلك بمعرفة حقيقة التوحيد التي تتضمن عظمة الله تعالى، فإذا علمت أن الله وحده هو الذي يضر وينفع متى شاء طرحت من قلبك الخوف من ذم الناس والطمع في ثنائهم، وكذلك إذا علمت أن الله سميع بصير يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، طرحت مراقبة الخلق وأطعت الله كأنك تراه فإنه لم تكن تراه فإنه يراك، وحسبك أيها المسلم اطلاع الله عليك واعلم أن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا، واعلم أن الشيطان هو منبع الرياء فاستعن على طرده بالاستعاذة بالله منه، واكتم عملك عن الناس فلا تجعلهم يطلعون على أعمالك الصالحة وإياك وحب الظهور فإنه يورث الغرور ويقصم الظهور أما شعائر الإسلام الظاهرة فلا بد من إظهارها ولا يمكن إخفاؤها كالحج والعمرة والجمعة والجماعة وغيرها.

فالإنسان لا يكون مرائيًا بإظهارها لأن من حق الفرائض الإعلان بها لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار، ولكن يحذر من الرياء فيها بعد أدائها. أما إذا كانت العبادة تطوعًا فحقها أن تخفى لأنه لا يلام الإنسان بتركها ولا تهمة فيها، فإن أظهرها قاصدًا بالإظهار أن يراه الناس فيمدحونه ويثنون عليه فهو رياء وكل عمل يأتي به الإنسان وهو لا يريد بفعله وجه الله فهو رياء، وهو من الشرك عياذ بالله،

محمد بن مبارك الرشدان

الخبر

الجامع الكبير

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-معنى الرياء. 2- ما جاء في وعيد للمرائين. 3- الأخفياء صفة للسلف رحمهم الله. 4- العبادات التي يفضل إظهارها على الملأ. 5- ممارساتنا الخاطئة تغرس الرياء في صدور أبنائنا. 6- ترك العمل خوفاً من الرياء.

الخطبة الأولى

أيها المسلمون, تكلمنا في خطبة ماضية عن الشرك، وعلمنا أن منه أكبر وأصغر، والشرك الأصغر منه الظاهر ـ كلبس التمائم والحروز والحلف بغير الله ـ ومنه الخفي وهو الرياء، وهو موضوع حديثنا اليوم.

الرياء: أن يُظهر العبد عبادته للناس، لينال عَرَضاً من الدنيا، يُظهر العبادة حتى يراه الناس، كمن يقاتل في سبيل الله ليقول الناس عنه: شجاع، أو يتصدق ليُقال عنه: كريم، أو يُحسِّن قراءته أمام الناس ليقولوا: فلان قارئ.

هذا هو الرياء: يقصد بالعبادة الدنيا، ولكنّ الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلا ما قُصد به وجهه سبحانه، وقد أمرنا بذلك فقال: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] . فالإخلاص في العبادة هو ركنها العظيم، ولا يقبل الله من العباد العمل إلا إذا كان خالصا لوجهه سبحانه.

وقد توعد الله صنفاً من المرائين بالويل وهو الهلاك, وهم الذين يراؤون بصلاتهم, فقال عز وجل: فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7] ، فما أعظم خسارة من أتعب نفسه في العبادة, فقام وصلى وتصدّق وحج وطلب العلم, ثم لم يرد بذلك كله وجه الله جل جلاله، فما أعظم خسارته، أتعبَ نفسه، وأسخط ربه، وأحبط عملَه.

قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ـ أي بعمله الصالح ـ نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16] ، فالذي يريد بعمله ثواب الدنيا من المدح أو الجاه أو المال, يعطيه الله ما أراد إن شاء، ولكن ويل له من الجزاء الشديد الذي ينتظره في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت