وبعد أيها المسلمون: فمع ما يظهر من بعض صور قاتمة وألوان ذات غبش؛ فإن الجهد الذي يبذله علماء الشرع، وأهل العلم والفقه والفتوى، وأصحاب الفكر السوي؛ جهود مباركة تمكنت من توجيه المجتمع، وبيان المنهج الوسطي المعتدل؛ وهم بيد الله خلف عدول يحملون مشاعل الهدى، وينفون تحريف الغالين وانتحاض المبطلين وتعويل الجاهلين؛ نجحوا في كبح كثير من التوجهات غير الوسطية غلوا وجفاء؛ فليسيروا على بركة الله في منهجهم العدل الخيار، ويبذلوا مزيدا من الجد والجهد في رد الرأي العام إلى مصادر الشرع وأصوله من الكتاب والسنة، والاستنباط الرشيد السديد؛ ولينفوا عن المسير الترخص المذموم والتحلل الممقوت، وغلو الغالين، وتضييق المضيقين؛ يميلون مع الحق، ويتحرون الوسط، ويراعون مصالح العباد؛ رجالا ونساء، ومجتمعا وأفرادا؛ وقاية من الفساد؛ وتأمينا لمصادر العيش الكريم؛ وإن ضبط ذلك كله يكون بالنظر في المستجدات وعرضها على ضوابط الشرع، وضبط العادات والتقاليد والأعراف وربطها برباط الشرع، وتحديد مكانها وحكمها؛ فالجديد ليس مرفوضا بإطلاق، والتقاليد محكومة وليست حاكمة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله - ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد المصطفى ورسولكم الخليل المجتبى؛ فقد أمركم ربكم بذلك جل وعلا؛ فقال عز قائلا عليما: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) (الأحزاب: 56) .
اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد الأمين، وآله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ واجعلنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين؛ اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتثبيت إمامنا وولي أمرنا؛ اللهم أعز به دينك وأعل به كلمتك وارزقه البطانة الصالحة، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، ووحد به كلمتهم، واجمع به صفوفهم على الحق والهدى يا رب العالمين
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم واجعلهم رحمة لعادك المؤمنين واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويهدى فيه أهل المعصية؛ ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر؛ إنك على كل شيء قدير
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك؛ اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين؛ وارحم ضعفهم واجبر كسرهم، ووحد صفوفهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم من أرادانا وأراد ديننا وديارنا وأمننا بسوء؛ فأشغله بنفسه؛ واجعل كيده في نحره؛ واجعل تدبيره تدمير عليه يا رب العالمين؛ اللهم إنا نبرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ اللهم يسر أمورنا واشرح صدورنا؛ ونور قلوبنا واختم بالصالحات أعمالنا؛ وأصلح لنا شأننا كله يا رب العالمين.
(( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ) (الحشر: 10) .
(( رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) (البقرة: 201) .
عباد الله: (( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) (النحل: 60) .
فاذكروا الله يذكركم؛ واشكروه على نعمه يزدكم؛ ولذكر الله أكبر؛ والله يعلم ما تصنعون.
الحمد لله نحمدهُ ونستعينه ونستغفرهُ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يَهدهِ الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون حقَّ تقاتِهِ، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، واعلموا أن الدنيا دارُ مَمرٍّ والآخرة دار مقرٍّ ، فتزوَّدوا من ممركُم لمقركُم وعرضكم على ربكم ، ولا تهتكوا أستارَكم عند من لا تخفى عليه أسراركُم .
طوبَى لعبدٍ آخِذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعثَ رأسُه مغبرةٍ قدماهُ ، إن كان في الحراسةِ كان في الحراسة ، وإن كان في الساقةِ كان في الساقة ، سلامٌ على من نظر في ماء نفسهِ فوجده صافياً رقراقاً .
أيها المسلمون: اشكروا الله تعالى أن جعلكم مؤمنين وشرَّفكم بالانتسابِ إلى أمةِ خيرِ المرسلين ، واعلموا أن دوام النعم مَنُوطٌ بشكرها وأن الله تعالى لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم ، فاحذروا ارتحالَ نِعمَ الله تعالى عنكم فإن النعم إذا شُكِرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت .
أيها المسلمون: إنَّ الحجابَ والحياءَ والحشمةَ والعفافَ في نساءِ المؤمنين من النعم التي يُطْلبُ استِدامَتُها والمحافظةُ عليها، ذلكم أن لِكُل دين خُلقاً وخُلق الإسلامِ الحياء، والحياء جِلبابٌ تلبسه النساء وتتغطى به العفيفاتُ فهو مادةُ كل خلقٍ فاضلٍ وبدونه تنسلخ الأمةُ من أخلاقها وتَتَعرَّى من فضائلها .
ولهذا حَرِص الشيطانُ وأعوانُه على إغواءِ المرأة وتدرَّجُوا في إفسادها طمَعاً في كسر باب الفضيلة وإشاعة الرذيلة ، قال تعالى: (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) ) (النساء: 71) .
قال مجاهد: (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ) )أي الزناة ، (( أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) )قال: يزني أهل الإسلامِ كما يَزنون .
فلهذا كان إِلزاماً على كلِّ مؤمنٍ أن يعلمَ أن للشيطانِ وأوليائِه خُطَطاً ومُؤامرات في إشاعةِ الفاحشة في أهل الإسلام عبر مُخطَّطِهم في تحريرِ المرأةِ من الفضيلة وإيقاعها في شِراكِ الرذيلة.
ومَع الأسفِ فقد نَجحت خُطَطُهم في كثيرٍ من البلادِ الإسلاميةِ حتى آلَتْ الحالُ فِيها إلى واقعٍ شاعَ فيهِ الزَّنا وشُرِعت فيه بيوتُ البِغاءِ بأُذونٍ رسميةٍ وعُمِرَت خشَباتُ المسارحِ بالفن الهابطِ من الغناءِ والرقصِ والتمثيلِ ، وتَقَاطَر أبناءُ وبناتُ أهل الإسلامِ على كلياتِ ومدارسِ الفنونِ الجميلة ليتعلَّموا الفسادَ والمُجون ليتَخرَّجُوا راقصين ومُغنِّين ومَسرحيِّين مِما عَمَّ وطَمَّ وبسببه نُزِعت البركة من ديار المسلمين مع كثرةِ خَيراتِها وتَسلُّط الأعداءِ عليها احتلالاً واستِغلالاً لثرواتها وجعلَ الله أهلَها شيعاً وأحزاباً مُتنَاحِرةً وعُطِّلَ فيها الحكم بكتابِ الله تعالى وسنةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم ...