أيها المسلمون: إن التساهُلَ في حِياطَة النساء ومَنعهنَّ من التبرجِ والسُّفورِ وأسباب الفساد ضَررُه على الدنيا قبلَ الدينِ ، فقد عُلِم تاريخياً أن تَبذُّل النساءِ واختِلاطَهنُّ بالرجال من أعظم أسبابِ انهيارِ الدُّوَل وسقوطِ الحضارات ، كما كانت الحضارة اليونانية على جانبٍ من القوةِ والهَيْبة فلما تَبرَّجتِ النساءُ وخالطَتِ الرجالَ وبالغْنَ في الزينةِ فسدت أخلاقُ الرجال وضَعُفت مَلكَتُهم الحربية فانهارت حضارتهم انهياراً مُريعاً.
وهكذا كل الأهْواءِ والمذاهب المُخالفةُ للشَّرعِ .
قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله: (إن دولة بني أميةَ كان انقِراضُها بسبب هذا الجَعْد المعطّل وغيره من الأسباب أ.هـ ) (13/182) .
أيها المسلمون: إنَّ المُتتَبِّع لهذه القضية الرَّاصدَ لها يجدُ أن في بلادنا أُجَراءَ مُستَغرِبِين ولهم أتباعٌ أُجراء من سَذجةِ الفُسَّاق أتباعِ كل ناعقٍ يُفوِّقُون سِهامَهُم لاستلابِ الفضيلة من نساءِ المؤمنين وإنزال الرذيلة بِهنَّ ، ولأجلِ تَمكُّنِهم من وسائلَ إعلاميةٍ كثيرةٍ أفسَحوا المجالَ لكل من هو على شاكِلَتِهم من دُعاةِ الرذيلة ورُبَّما استَغَلوا بعض المنتَسِبين للعلم ممَّن لم يَفْطَن لمَكائِدِهم .
يجبُ على أهلِ الإسلامِ أن يَحذَرُوا من انكسارِ باب الاختِلاطِ بين الجنسين مِمَّا بدأت تظهرُ بَوادِرُه، نعم ظهرت بَوادِرُه مع الأسفِ في بعض المناسباتِ واللَّقاءات كحفلاتِ التَّخرُّج من دوراتٍ في بعض الجهاتِ، أو نَدَواتٍ طبيةٍ ونحوها بِحُجَّة نُدْرةِ التخصُّص، أو في معارضِ الكتب والمهرجاناتِ والمُنتَدياتِ، أو في توظيفِ بائعاتٍ في الأسواقِ ، أو غيرِ ذلكم مما لعله لا يَخْفى على الكثيرِ .
إنَّ مما يزيدُ الأمرَ بلاءً أن يُؤَصَّل لهذا الاختلاطِ المحرَّم تأصيلاً شرعياً من لَدُنْ من قلَّ عِلمُهم بالشريعة .
إنَّ مَنْ يعلم شريعةَ اللهِ تعالى ويَتتبَّع نصوصَها يَجِدُ أنَّها سَدَّت منافِذَ الفسادِ والرذيلةِ بتحريمها لِتبرُّج النساءِ واختلاطهنَّ بالرجالِ حتى في أماكنِ العبادةِ فَكَيفَ بأماكنِ الدُّنيا والغَفلة ؟.
روى مُسلمٌ في صَحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خيرُ صُفوفِ الرجالِ أوَّلها وشرُّها آخرُها وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها وشرُّها أوَّلها ) ).
قال النوويّ: وإنما فضَّل آخر صفوفِ النساء الحاضراتِ مع الرجال لِبُعدهنَّ عن مخالطةِ الرجال ورؤيتهم وتعلُّقِ القلبِ بهم عند رُؤية حركاتهم وسماعِ كلامهم ونحو ذلك، وذمَّ أول صفوفِهنَّ لعكسِ ذلك أ. هـ، قلت: هذا معَ أن المكانَ والحالَ في عبادةٍ فكَيفَ إذا كانت المُقاربةُ في مكانِ لهوٍ وغَفلةٍ ؟ .
هذا إذا صَلَّت المرأةُ في المسجدِ ولكنْ خيرٌ من ذلك أن تُصلِّي في بيتها بُعداً لها عن الرجالِ .
ففي المسندِ والطبراني (( عن أم حُمَيد السَّاعِديَّة أنها جاءت إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ إني أُحبُّ الصلاةَ معك . قال: قد علمتُ وصلاتُكِ في بَيتكِ خيرٌ من صلاتِكِ في حُجرتكِ وصلاتُكِ في حُجرتكِ خَيرٌ من صلاتِك في دارك وصلاتك في دارِكِ خيرٌ من صلاتِكِ في مسجدِ قومك وصلاتِك في مسجدِ قومكِ خيرٌ من صلاتِك في مسجدِ الجماعة ) ). قال الحافظ: إسنادُ أحمد حسنٌ .
أما في حالِ خروجِهنَّ من المسجدِ بعد الصلاةِ فيخرُجنَ من بابٍ غيرِ باب الرجالِ فعن ابن عُمَرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو تَركْنا هذا البابَ للنساءِ . قال نافع: فلم يدخُل منه ابن عمرٍ حتى ماتَ، وعند أبي داودٍ عن نافعٍ أن عمرَ بن الخطابَ كان ينهى أن يُدْخَل من بابِ النساءِ ) ).
فأيْن هذا مِمَّن يزعُم أنه ليس في الإسلام تَخصِيصُ يومٍ للرجالِ ويومٍ للنساءِ أو مدخلٍ للرجالِ ومدخلٍ للنساءِ !!
بَلْ حتى في المَطافِ الذي هو مكانُ خشوعٍ وتعلُّقٍ بالله تعالى ولا يُتَصوَّرُ فيه السوءُ إلا لِمَن فَسَدت سريرتُه، كانَ السلفُ يفرِّقون في الطوافِ بين الرجالِ والنساءِ، فقد رَوى الفاكهي عن إبراهيم النَخَعِي قال: نهى عمر أن يطوفَ الرجالُ مع النساءِ قال فرأى رجلاً معهم فضَربه بالدِّرَّة.
وقال الفاكهيّ ويُذْكَر عن ابن عُيينة أن أوَّل من فرَّق بين الرجالِ والنساءِ في الطوافِ خالدٌ بن عبد الله القَسْريّ وكان أميرُ مكةَ في زمنِ عبد الملك بن مروان .
وفي البخاريّ (( عن عطاءٍ إذ مَنَع ابنُ هشامٍ أميرُ مكةَ النساءَ من الطوافِ مع الرجالِ قال: كيف يمنَعُهنَّ وقد طاف نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال قلت: أبعدَ الحجابِ أو قبل ؟ قال: أيْ لَعَمْري لقد أدركْتُه بعدَ الحجابِ ، قلت: كيفَ يخالِطْنَ الرجال ؟ قال: لم يكُنَّ يخالطنَ كانت عائشةُ تطوفُ حجرةً من الرجالِ(أي ناحية) لا تخالطهم، فقالت امرأةٌ: انطلقي نسْتَلم يا أمَّ المؤمنينَ قالت: انطلقي عنك وأبَتْ، وكُنَّ يَخرُجن متَنَكِّراتٍ بالليل فيَطُفْنَ مع الرجالِ ولكنَّهنّ إذا دَخلنَ البيتَ قُمْنَ حتَّى يَدخُلْن وأُخرِج الرجال )).
فهذِهِ النصوص وغيرها ترُدَّ مَن يَسْتدِلُّ بواقعِ الطوافِ اليوم على إباحةِ الاختلاطِ بين الجنسين .
وهكذا في اللقاءَاتِ والمواعظِ والندواتِ فإنَّ هديَ النبي صلى الله عليه وسلم عَزَل النساءَ عن الرجالِ فرَوَى أحمدُ عن ابن عباسٍ وسئل هل شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: نعم ولَولا قُربي منه ما شَهِدتُه من الصغر فصلَّى ركعتين ثم خطَبَ ثم أتى العلم الذي عندَ دارِ كثيرِ بن الصَّلْت فوَعظَ النساءَ وذكَّرهُنَّ وأمرهنَّ بالصدقة فأهْوَيْنَ إلى آذانِهنَّ وحُلوقِهُنّ فتصدَّقْن به ، قال: فدفَعْنَهُ إلى بلال .
قال الحافظ: وفي هذا الحديثِ من الفوائدِ استحبابَ وعْظِ النساءِ وتعليمِهنَّ أحكامَ الإسلام وتذكيرهِنَّ بما يجب عليهِنّ ويُستَحَبُّ حثُّهُنَّ على الصدقة وتخصِيصَهُّنّ بذلك في مجلسٍ منفردٍ .
أيها المسلمون: إن بيننا وبين دعاةِ السفورِ والاختلاطِ هذه النُّصوصِ الشرعيَّةِ وغيرها كثيرٌ جداً ، وأسْعَدُنا بالحقِّ والنجاة من لا يَجِدُ في نفسِهِ حرَجاً من حُكمِ الله تعالى وحُكم رسولِهِ صلى الله عليه وسلم . فالواقعُ المخالفُ لحُكْمِ الله تعالى لا يكونُ مسوِّغاً للاختلاطِ ومُسهِّلاً له .
فاتقوا الله أيها المسلمون واحذروا يوماً تَؤول فيه حالُ نسائِكم إلى ما يُرضِي أصحابَ الشهواتِ من الأُجَرَاءِ المُسْتَغْرِبينَ الذين هَمُّهُم التَّمتُّع برؤيةِ نسائِكم ومحادثَتهِّن .
وليتقِ الله تعالى كل من يكتب أو يتكلمُ في هذه القضايا أن يكتبَ حرفاً أو ينطقَ بكلمةٍ تدفع بعجلةِ تغريبِ المجتمعِ وانحلالهِ إلى الأمام. وليتقِ الله تعالى كلَّّ من عَلِمَ بأسبابِ التبرُّجِ والاخْتلاطِ في أي مكانٍ أن يقومَ بإنكارهِ والتبليغِ عنه درءاً للفتنةِ وإطفاءً لحريق الفسادِ وأملاً في إبطالِ مخطَّطاتِ الأعداءِ في الداخلِ والخارج .
قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (التوبة: 71) .نفعني الله وإياكم .
الخطبة الثانية