الوقفة السادسة: تجزئة النصر ومفهومنا للنصر ، في سبيل صراعنا مع أعدائنا لابد أن نفهم النصر بمفهومه الشامل، فليس النصرُ قصراً على الانتصار العسكري، وليست الهزيمةُ بسقوط دولةٍ أو قيامِ أخرى، بل مفهومُ النصر أشملُ من هذا وأوسع، ولابد من تجزئة النصر، فنصرُ المبادئ الحقة نصر، وانتصارُ الإرادة نصر، والقدرة على ضبط النفس حين الأزمات نصر، والاستفادة من دروس الهزيمة نصر، والتخطيط للمستقبل على ضوء مرئيات الواقع وتوقع المستقبل نصر، وقد لا تبدو آثارُ النصر عاجلاً ولكنها تظهر بعد حين - يُقال ذلك لأن نفراً من المسلمين قد يُصابون بنوع من الإحباط وهم يرون تفوق الأعداء وتحقيق بعض أهدافهم العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، ولكن العقلاء يشهدون أن دولة ما قد تنتصر ظاهراً ولكنها مهزومة واقعاً وخُلُقاً، أجل لقد كشفت الأزمةُ المعاصرة - بشكل أكبر- عن هزيمة الغرب في قيمة ومبادئه، فحقوق الإنسان - عندهم - تحتضر والحريةُ والديمقراطية والمساواة عادت هياكل مجردةً عن معانيها، ومحكمة العدل، ومجلس الأمن، ومنظمات العفو الدولية، وما شابهها من هيئات ومنظمات غربية براقة تحطمت على صخور جبال الأفغان، وفي أرض البوسنة والهرسك وكوسوفا، وغرفت في مياه أندونيسيا، ولا تزال أرضُ فلسطين تشهد على غيابها بل تواطئها؟ ألا يعد ذلك هزيمةً للغرب ومبادئه وهيأته ومنظماته ؟
الوقفة السابعة: وفي ظل الضربات الموجعة والحصار والتهديدات للأمة لابد للمسلم من ركن شديد يأوي إليه، ويقيه ويحميه من السقوط والذوبان إنه الله القويُ الشديد، لابد من الاعتقاد الجازم بنصر الله إن عاجلاً أو آجلاً وكلما امتلأ الجو بالغبار والدخان وخيّم اليأس والإحباط فلابد للمسلم أن يتذكر قوله تعالى: (( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) ) (البقرة:214) .
ولابد من الثقة بأن الأعداء مهما بلغ كيدُهم فكيدُ الله ومكرهُ أعظمُ من كيدهم ومكرهم، لكن لابد من الاتكاء على قاعدة الصبر والتقوى: (( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (آل عمران:120) .
ولابد كذلك من إعداد العُدة الممكنة والمبينة في قوله تعالى: (( وَأَعِدُّواْ لهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) ) (الأنفال:60) .
لابد من استثمار طاقات الأمة كلها برجالها ونسائها وبشبابها ورجالاتها وأصحاب التجربة فيها، لابد من بعث اليقين في النفوس، وتجديد الإيمان في القلوب، وتجريد العبودية لله وحده، والوقوف على مصادر القوة ومكامن الضعف.
لابد من استحضار النصوص الشرعية الواعدة والمبشرة (( هُوَ الذِي أَرْسَل رَسُولهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ) ) (الصف:9) .
ومن مثل قوله تعالى: (( وَإِنَّ جُندَنَا لهُمُ الغَالِبُونَ ) ) (الصافات:173) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهُمْ وَلا مَنْ خَالفَهُمْ ) ).
وقوله: (( ليَبْلُغَنَّ هَذَا الدين مَا بَلغَ الليْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ وَأَهْله ) ).
يا مسلمون: مصيبةٌ أن يتنادى اليهودُ والنصارى لعقائدهم ودياناتهم الباطلة ويظل المسلمون في غفلةٍ معرضون، معرضون عن الاعتزاز بدينهم والعمل لإسلامهم وغافلون عما يُراد بهم وما يُخطط لهم ولأجيالهم اللاحقة.
إن الله قد حكم بأن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً لكن هل تحقق الإيمانُ فينا ؟ ولماذا نستغرب تسلّط الأعداء علينا ما دمنا لم نبلغ الدرجة التي يراد لنا.
إن المرحلة الراهنة والمستقبلة - فيما يظهر والعلمُ عند الله- ستشهد صراعاً بين العقائد والحضارات، وإذا كنا على ثقة بأن إسلامنا وحضارتنا فوق كل دين وحضارة، فهل نكون نحن المسلمون على مستوى هذا الدين، ونمثل حضارة الإسلام، ذلك هو التحدي المستقبلي وذلك هو الذي سيحدد نتيجة المعركة، وحجم المكاسب والخسائر، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم انصر دينك واعلِ كلمتك، واجعل الدائرة على الكافرين والمنافقين ، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم ، واكف المسلمين شرورهم ، وصلى الله على محمد .
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ، ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أيَّها المسلمون: الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من العليم الخبير: (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ) (الإسراء:1) .
إنّها رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم أبو الأنبياء إلى محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين، وهي رحلة تربط بين الأماكن المقدّسة لديانات التوحيد كلّها، وهي مؤشر على اشتمال رسالة الإسلام لهذه المقدّسات كلّها، ومن هنا عُني المسلمون ببيت المقدس على مدار التّاريخ، وكان فتحه ثمّ تحريره على جثث الرجال، وارتوت أرضه بدمائهم، وحين غاب الفاتحون عاد المحتلّون ووقع القدس أسيراً بأيدي شرار الخليقة -اليهود- وتلك قصّة مأساة يطول شرحها.
ولكن ما الذي يجري في فلسطين هذه الأيّام؟ وما حال إخواننا في فلسطين؟ من وراء الأزمة؟ وما دور المسلمين تجاه إخوانهم في فلسطين؟
الوضع المأسويّ يتفاقم في فلسطين؛ حصار اقتصاديّ، وإقصاء سياسيّ، فتن داخليّة واحتراب داخليّ بين الفصائل الفلسطينية، تصعيد صهيونيّ لإفشال أيّ مشروع إصلاحيّ نزيه، ومؤازرة غريبة لإسقاط الحكومة الجديدة المنتخبة.