فهرس الكتاب

الصفحة 7979 من 9994

الفصل المأسويّ الجديد في فلسطين تشترك فيه أطراف عدّة من داخل وخارج فلسطين، بدأت ملامحه منذ نجحت حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) في الانتخابات الفلسطينيّة، ولئن كانت هذه الانتخابات بضاعة الغرب وواحدة من صادراتهم، ومحلّ الثقة والتقدير لمن يفوز عبر بوابتها، إلّا أنّ الغرب يتعاملون مع أهل الإسلام بمنظار آخر، فهم يكفرون بالحرّيّة والديمقراطيّة إذا طارت أسهمها للمسلمين، وهم ينكرون العدل والمساواة إذا اتجهت رياحها نحو المسلمين.

هذا ما حصل من موقف الغرب تجاه انتخابات فلسطين الأخيرة، حيث تجهّموا في وجه الفائزين، ولم يعترفوا بالديمقراطيّة التي أوصلتهم إلى مقاعد الحكم، وتلك واحدة من معاملات الغرب المطفّفة، وبرهان يضمّ إلى غيره في فشل دعاواهم في تأمين الحرّيّة والعدالة والديمقراطيّة وتصديرها للشرق الأوسط، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

لقد شرق الغرب بنتائج الانتخابات الفلسطينيّة، ولم يكتف بعدم الاعتراف الرسمي بالحكومة المنتخبة، والمرشّحة عبر صناديق الانتزاع، والمعبّرة عن صوت الجماهير، بل زاد الغرب وأعلن الحصار الاقتصادي، فالحصص الداعمة التي كانت تدفع للحكومات السابقة في فلسطين توقّف، والمساعدات تمنع.

والغرب في هذا الاتّجاه المحاصر لا يعنيه إن مات الشعوب جوعا، أو توقّف التعليم، أو هلك المرضى في المستشفيات، المهمّ أن تسقط الحكومة المنتخبة لأنّها لا تركع لهذا الطاغي المتجبّر! ولو كان الشعب الفلسطيني بأكمله ضحيّة هذا الحصار؟

إنها قيم غريبة بالية يتقدم الزمن وتتقدّم معه فضائح هذه الحضارة، وتتجدّد المواقف وتتجدد معه البراهين على الظّلم مكان العدل، وعلى التمييز مكان المساواة، وعلى الغطرسة مكان الحرّيّة والديمقراطيّة واللّه لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، ولا يحبّ عمل المفسدين، و الويل للمطفّفين.

أمّا دولة الصهاينة -ربيبة الغرب- فهي أكثر المتخوّفين من الحكومة الفلسطينيّة الجديدة، ولذا عمدت منذ اللحظات الأولى على تصعيد الوضع، وخلخلة الأمن، وتدمير المنشآت واستهداف الأشخاص، وما لا تستطيع أن تقوم به بالأصالة تعهّد به إلى منفذين لها بالوكالة.

أجل إن مما يزعج دولة الصهاينة أن الحكومة المنتخبة لا تعترف بالاحتلال، بل وتجعل من المقاومة المشروعة خياراً استراتيجيا..

والحكومة الجديدة جادّة في الإصلاح وترميم البيت الفلسطيني ليكون أكثر قدرة على المقاومة وطرد المحتلّ-وهذه تزعج اليهود، ومن وراءهم- دولة الاحتلال- كانت تحارب (حماس) قبل الفوز بالانتخابات، ولا شكّ أن حربها لها بعد أن تسنّمت السلطة سيكون أشد، فالسلطة اليوم تملك ما لم تكن تملكه بالأمس.

عباد الله: ولا يلام الذّئب في عدوانه، ولئن كنّا لا نستغرب عدوان اليهود والنصارى للمسلمين، وقد أخبرنا الله ورسوله عن عداوتهم، فإن المستغرب أن يشترك في العدوان نفر من المسلمين، وأن يشارك في الأزمة الفلسطينيّة بعض أبناء فلسطين، أولئك -في الغالب- فلول حكومة سادت ثم بادت، وكان بيدها بالأمس كلّ شيء فأصبحت اليوم وليس بيدها شيء، أولئك كانوا يمارسون فسادا إداريا، واليوم يحاصر الفساد الإداري، وكانوا يمارسون اختلاسا ماليا، واليوم تقطع أيدي المختلسين، أولئك كان لهم محسوبياتهم بالأمس، واليوم يعلن عن انتهاء عهد المحسوبيات، كان الشعب يجوع في حين تتخم بطون هؤلاء، وكان الشعب يكدح ويناضل وأولئك يسرقون المكاسب - وإن لم يشاركوا في صنعها-.

هذه الفئة الفاسدة عزّ عليها أن تسير عربة الإصلاح، وضاقت صدورهم وحرجت أن يطلّ عهد جديد من النزاهة والمصداقيّة لخدمة القضية الفلسطينيّة، فما كان منهم إلّا أن يستثمروا ويستغلوا الأجواء العالميّة للحصار، فيحدثوا شرخا هنا، ويوقظوا فتنة هناك، ويكونوا طلائع بل وأذنابا للمستعمرين.

أيها المسلمون: لكم أن تتصوّروا حجم المعاناة التي يعيشها إخواننا في فلسطين حين يحاصرون من الخارج والداخل، وحين يشمت بهم الصديق مع العدو ولا يسلمون من أذى بعض الجيران فضلا عن الأبعدين، إنّها محن وبلايا، ليست جديدة في تاريخنا.. فطالما تعاقد الكفّار مع المنافقين على حرب المسلمين.. ولئن حاصرت قريش المسلمين في مكّة في حصار الشعب المعروف (حيث تقاسموا على الكفر) .

فقد حاول المنافقون حصار المسلمين اقتصاديا وقال قائلهم: (( لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا ) ) (المنافقون:7) .

ولئن مثّل اليهود والنصارى والمشركون أطراف الحرب الخارجيّة ضدّ المسلمين، فقد كان المنافقون يقومون بدورهم في الحرب في الداخل ( إرجافا وتخذيلا وتعويقا وسخريّة وإضرارا) (( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ) ) (الصف:8) .

عباد الله: يُمتحن إخواننا في فلسطين بهذه الأزمات ونسأل الله أن يعينهم ويثبّتهم، ورغم المحن فثمّة منح، ورغم الإرهاب فثمّة مدافعات، ورغم الحصار فثمّة مبادرات، جميل أن نسمع عن صبر إخواننا الفلسطينيّين على هذه البلايا والمحن، وأجمل حين نسمع عن تضامن الشعب مع قيادته الجديدة.

ولقد بتنا نسمع هذا الشعار الواعي (نعم للجوع.. لا للركوع) .

بل بات يُسمع عن مبادرات تسهم في فكّ هذا الحصار.. إن ماديّا أو معنويّا..

قصص تعيد للحياة في فلسطين طعما آخر.. فهذه امرأة تقدم صوغها وهو تحويشة عمرها، لحكومة وجدت نفسها محاصرة من كافة الاتجاهات.

وهذا مواطن ينفق من عمره وجهده سنوات حتّى بنى له منزلا.. وهو يعلن تقديمه هديّة للحكومة المحاصرة، وأولئك موظّفوا دائرة حكوميّة في فلسطين يعلنون عن تبرّعهم براتب شهر كامل لدعم الحكومة.. وهكذا تتوالى المبادرات الواعية معلنة رفضها للحصار، بل ومشاركة في فكّ هذا الحصار، بل وتتجاوز المبادرات الشعبيّة فلسطين إلى خارجه.

أيّها المسلمون: وإذا كان هذا جهد المقلّ، ومشاركة من يحتاج للمساعدة، فكيف ترونه واجب غيرهم ممن أفاء الله عليهم؟

إن على الحكومات العربيّة والإسلامية كفلها في المسئوليّة، لا سيما في سداد حقوقها الملتزمة بها من قبل للشّعب والحكومة الفلسطينيّة، ولئن كانت عدد من الحكومات وفي مقدمتها المملكة بادرت بدفع حصصها- وهي خطوة تذكر وتشكر- فيفترض في باقي الدول والمنظّمات أن تفي بالتزاماتها، وأن تسارع في سداد ما عليها في وقت تشتدّ الحاجة ويحكم الحصار، وكم هو جميل أن تتبنى الحكومات العربيّة والإسلامية حملات تبرع شعبية لصالح الشعب الفلسطيني المحاصر.

ليس هذا فقط بل واجب هذه الحكومات والمنظّمات أن تقول كلمتها في المحافل الدوليّة، وأن تدافع عن هذا الشّعب المظلوم، وأن ترفض بكلّ صراحة غطرسة الغرب ومحاصرته، ولا تستجيب لتهويشه وتهديده، وإلا أكلوا يوم أكل الثور الأبيض؟

على الدول العربيّة و الإسلاميّة أن تسخّر إعلامها للدفاع عن مقدّسات المسلمين، وفضح المخططات الصهيونيّة لتهويد أولى القبلتين، وحماية الشعب الفلسطينيّ من التذويب والتهجير والقتل.

على الدول العربيّة والإسلاميّة أن تدرك أن المقاومة الفلسطينية لدولة الصهاينة هي خطوة استراتيجيه، ومهمة لصد عدوان وامتداد السياسة والثقافة اليهوديّة والغربيّة.

بل وعلى الدول أن تدرك أنّ الشّعب الفلسطيني بمواقفه النبيلة، وبجهاده المشروع يمثل حاجزا دون الهيمنة الغربيّة والصهيونيّة في بلاد المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت