فهرس الكتاب

الصفحة 9205 من 9994

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنه أخي وصاحبي ) ) (4) وقال صلى الله عليه وسلم مشيداً بأبي بكر: (( إن الله بعثني إليكم فقلتم:كذبت ، وقال أبو بكر:صدق ؛وواساني بنفسه وماله ؛ فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ ) ) (5) .

أيها المؤمنون إن أبا بكر رضي الله عنه لم يحصل تلك المنزلة العالية والمكانة الرفيعة إلا بجد وإخلاص وجهاد همة عالية ؛ رغبة صادقة ؛ أعمال صالحة ؛ يد باذلة ؛ عين باكية ويجمع ذلك كله قلب صادق ونفس زاكية في طلب ما عند الله جادة صادقة روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: (( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكر: أنا . فقال رسول الله: فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله: فمن أطعم اليوم منكم مسكيناً ؟ قال أبوبكر: أنا . قال رسول الله: فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكر: أنا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ) ) (6) .

أيها المؤمنون عند الصباح يحمد القوم السرى فأبو بكر السابق إلى الخيرات يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية .

أيها المؤمنون أبو بكر أعظم الأمة بعد رسول الله صبراً ؛ وأثبتهم يقيناً ؛ وأعمقهم إيماناً وشواهد ذلك كثيرة عديدة فقد ثبت الله بأبي بكر صحابة رسول الله لما طاشت عقولهم وارتجت أفئدتهم وزلزلت أقدامهم عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقرأ عليهم قول الله تعالى: ?إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ? (7) وقول الله تعالى: ?وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ? (8) فكشف الله به عنهم الاضطراب وثاب الناس بكلامه وتوجيهه إلى الجادة والصواب.

أيها المؤمنون أبو بكر جبل شامخ لا تزعزعه العواصف ولا تستفزه الأزمات رابط الجأش سديد الرأي فما أن ذاع نبأ موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتد أحياء من العرب ؛ ومنع قوم الزكاة ونجم النفاق ؛ وتربص اليهود والنصارى فكان خطباً جللاً ؛ وحدثاً جسيماً تنهد له الجبال الراسيات فقال أبو بكر: أنا لها أنا لها، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فبعث البعوث وجهز الجيوش وقاتل المرتدين ?وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً? (9) وثبت الله التوحيد في جزيرة العرب بالصديق وقصم فيها فقار الشرك والوثنية فرضي الله عنك يا أبا بكر وجزاك عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا بك في جنات النعيم .

أيها المؤمنون هذه ومضات ولمحات من سيرة الصديق وهي قليل من كثير وغيض من فيض فخلال أبي بكر معلومة مشهورة: زهد في ورع ؛ بكاء في خشية ؛ بذل وعطاء ؛ صبر وجهاد ؛ صحبة وهجرة خشية وإنابة ؛ حزم وبصيرة ؛ صدق وإحسان

وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

الخطبة الثانية

أما بعد..

فا لزموا عباد الله وصية رب رحيم قال لكم: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? (10) فاتقوا الله عباد الله واقرؤوا سير الصالحين السابقين واللاحقين فإن في قصصهم وسيرهم عبرة وعظة ينشئ الله بها أمثالهم

لعل في أمة الإسلام نابتة تجلو لحاضرها مرآة ماضيها

حتى ترى بعض ما شادت أوائلها من الصروح وما عاناه بانيها

اعتبروا عباد الله بسير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعرفوا فضلهم وسابقتهم وليرسخ في قلوبكم حبهم وينشط فيها صدق الرغبة في التأسي بهم ولتعلموا عظم جرم الرافضة الذين كفّروا صحابة رسول الله وعابوهم وسبوهم .

(1) سور: البقرة: آية (105) .

(2) سورة الفتح: آية (29) .

(3) سورة: التوبة: آية (40) .

(4) أخرجه: أحمد (10710) ، والبخاري (446) ، ومسلم (4390) .

(5) أخرجه: البخاري (3388 ) .

(6) أخرجه: مسلم (1707) .

(7) الزمر: آية (30) .

(8) آل عمران: آية (144) . والحديث أخرجه البخاري (3394) وغيره .

(9) الأحزاب: آية (25) .

(10) آل عمران: آية (102) .

صالح بن عبد الله بن حميد

مكة المكرمة

المسجد الحرام

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

فضل الصحابة رضي الله عنهم وأثرهم في البشرية - أبو بكر رضي الله عنه ومناقبه - أهمية دراسة التاريخ والاستفادة منه

الخطبة الأولى

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلفٌ.

أيها المسلمون، ما كان تزويق ألفاظ، وما كان حديثا يفترى ذلك الحديث الذي روى به التاريخ أنباء أعظم ثلة ظهرت على وجه الأرض في دنيا الناس وفي ميدان العقيدة والإيمان.

إن التاريخ الإنساني بعرضه وطوله لم يشهد من الصدق والتوثيق وتحري الحق والحقيقة مثل ما شهد تاريخ الإسلام في سير رجاله السابقين.

إن التاريخ لم يشهد رجالاً اشتد بالله عزمهم، وصدقت لله نواياهم،، في غايات شريفة من الإيمان والإصلاح، نذروا لها حياتهم، صدقوا ما عاهدوا الله عليه في جسارة وتضحية. إنه لم يشهد كما شهد في الرجال من صحب رسول الله رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

كيف أنجز هؤلاء الأبرار هذا الإنجاز، وفتحوا هذه الفتوح في بضع سنين؟! كيف شادوا بقرآن الله وكلماته نظامًا جديدًا، وعالمًا فريدًا يهتز نضرة ويتفوق قوة وقدرة، في لمح البرق وضيائه؟! أضاءوا الإنسانية بحقيقة التوحيد وصفاء العقيدة ونور الشريعة. إن هذا وربك الإعجاز في الإنجاز، ويقود هذا الإعجاز إلى إعجاز آخر يتمثل في سيرهم الذاتية وطبائعهم النفسية التي صاغ الدين فضائلها، وهذب القرآن سجاياها. عاشوا مع نبيهم محمد ءامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157] . نفوس صدقت في إيمانها، فتولدت فيها قوة الثبات، وحقيقة الولاء، فكان ذلك البذل العظيم الذي بذلوا، والهول الشديد الذي احتملوا، والفوز الكبير الذي حازوا. لقد حرروا البشرية من وثنية العبودية، وتيه الضمير، وضلال المسير وضياع المصير.

في دراسة السير والتاريخ لسلفنا الصالح نشهد كتائب الحق وهي تطوي العالم بإيمانها، ترفع رايات الحق لتعلن توحيد الرب وتحرير الخلق.

أيها الإخوة، وهذه وقفة مع سيرة رجل من هؤلاء الرجال، بل إنه رجل لا كالرجال، إنه الصديق أبو بكر خليفة رسول الله الأول، والمؤمن برسول الله من الرجال الأول. رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً. سبق إلى الإيمان، وبادر إلى الرفقة، ولازم الصحبة واختص بالمرافقة في الغار والهجرة: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا [التوبة:40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت