لفضيلة الشيخ
مسجدالأمير سلمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله.
وأشهد أن لا اله إلا الله، اله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فحياكم الله أيها الإخوة في هذا اللقاء ، وأبدؤه بذكر حقيقة يدركها كل واحد منا، إلا أن هذه الحقيقة غائبة عن كثير من الناس، غائبة؛ لا أنهم ينكرونها ولا أنهم لا يصدقون بها؛ بل هم في غفلة عنها:
أعمارنا أيها الإخوة أعمارنا أيام قلائل، سرعان ما تنقضي وتزول، عمري وعمرك إنما هو أيام، إنما هو ليالٍ، ثم ينقضي ذلك؛ مهما طال العمر ومهما امتدت الأيام والليالي، إلا أن ذلك لا يخرج عن قول الله تعالى: ?يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً? (1) . تعتقدون وتصدقون وتجزمون في ذلك اليوم أن لُبْثَكُم في الحياة الدنيا قليل، ليس بأمد طويل ولا بزمن كبير؛ إنما هو قليل، وقد قال جل وعلا: ?قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ? (2) .
لعمرك ما الأيام إلا مفازة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
الأيام مفازة يقطعها الناس، إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو إلى دار يعذب فيها أهلها عذاباً مادامت السماوات والأرض؛ عذاباً دائماً لا ينقطع.
كتب الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله في وصيته كلمات بمثابة المصابيح التي تبيّن لنا حقيقة الدنيا، وما ينبغي أن نكون عليه في نظرنا إليها وتعاملنا معها.
يقول رحمه الله في وصيته: فاغتنم -رحمك الله- حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة.
واعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفس ينقص به جزء منك، والعمر كله قصير.
العمر مهما امتد ومهما طال ومهما كثرت سنواته وامتدت أعوامه إلا أنه قصير.
والعمر كله قصير ... والباقي منه هو اليسير
يقول رحمه الله في بيان قيمة أعمارنا: وكل جزء منه-أي من عمري وعمرك- جوهرة نفيسة لا عِدْل له ولا خلف منه، فإن بهذه الحياة اليسيرة خلوداً أبديّاً في النعيم أو العذاب الأليم، وإذا عدلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نَفَس يعدل أكثر من ألف ألف ألف عام في نعيم لا خطر له- أي لا خوف عليه- أن يزول أو يرتفع، وما كان هكذا فلا قيمة له، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تُذهبها بغير عوض، واجتهد أن لا يخلو نفس من أنفاسك، إلا في عمل طاعة أو قربة تتقرب بها إلى الله، فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا لساءك ذهابها، فكيف تفرط في ساعاتك وأوقاتك، وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟
هذه الكلمات أيها الإخوة من هذه العالم الموفق الإمام ابن قدامة رحمه الله بمثابة المصابيح والإضاءات والتنبيهات التي ينبغي أن نقف عندها؛ لندرك حقيقة أعمارنا، حقيقة حياتنا، حقيقة وجودنا في هذه الدنيا، إنها فرصة، إنها منّة، إنها منحة، أيامك معدودة فلا تفرّط فيها، ولا تضيّعها فيما لا يعود عليك بالخير، كيف لا تحزن على ساعات تمضي بلا خير ولا بر ولا طاعة ولا إحسان؟
نسير إلى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تُطوى وهُنّ الرواحل
ولم نر مثل الموت حقّاً كأنه ... إذا ما تخطته الأمانيُّ باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس نازل
ترحَّل عن الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
أيامي وأيامك أيام قلائل، ليست أياماً ممتدة خالدة، إنما هي أيام معدودة سرعان ما تنقضي وتزول، ويبقى ما كان فيها من عمل، إما من خير يُسرّ به العبد، وإما من الإساءة التي يؤاخذ بها ويسوؤه أن يلقاها عند الله تعالى.
أيها الإخوة إن عمر المؤمن لا قيمة له في الحقيقة؛ لأنه زرْع الآخرة؛ لأنه بذْر ما يجنيه يوم القيامة من نعيم ممتد لا ارتحال عنه ولا ارتفاع ولا زوال.
قال سعيد بن جبير رحمه الله: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة. ولاشك أن هذا إنما يكون لذلك الذي نظر إلى الدنيا نظرة بصر وفكر واعتبار، أما ذاك الذي يدفع الليالي والأيام، ذاك الذي لا يقيم لزمانه وزناً ولا لعمره قيمة، فإنه لا قيمة لعمره في الحقيقة.
أما المؤمن فإن أيامه ولياليه لا قيمة لها وهي غنيمة عظيمة؛ لأنه يعمرها بما يرضى الله به عنه، يعمرها بالصالحات والطاعات، يقطعها بما فيه فوزه ورفعة درجاته وحط خطاياه ووضع أوزاره.
(1) سورة: الإسراء (52) .
(2) سورة: المؤمنون (114) .