الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والعزة، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره يتولى ببأسه ونقمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، جاء بكريم الخصال ومجامع الأخلاق الفاضلة فحفظ الأمانة وصان العفة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون، كم للفضيلة من حصنٍ امتنع به أولو النخوة فكانوا بذلك محسنين، وكم للرذيلة من صرعى أوردتهم المهالك فكانوا هم الخاسرين.
في ظلال الفضيلة منعة وأمان، وفي مهاوي الرذيلة ذلةٌ وهوان، والرجل هو صاحب القوامة في الأسرة وإذا ضعف القوَّام فسد الأقوام. وإذا فسد الأقوام خسروا الفضيلة، وفقدوا العفة وتاجروا بالأعراض وأصبحوا كالمياه في المفازات يلغ فيها كل كلبٍ، ويكدِّر ماءها كلُّ وارد.
جاء شاب إلى النبي فقال: (( يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل عليه الناس يزجرونه، وأدنى رسول الله مجلسه ثم قال له: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال رسول الله: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. ولم يزل النبي يقول للفتى: أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟ كل ذلك والفتى يقول: لا والله جعلني الله فداك. فوضع النبي يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصِّن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ) ) (7) [1] .
ألا فاتقوا الله رحمكم الله وغاروا على حرمات الله يسلم لكم دينكم وعرضكم ويبارك لكم في أهلكم وذرياتكم.
(1) صحيح، أخرجه أحمد (2/318) ، والبخاري في: الأدب المفرد، باب: حُسن الخلق، رقم (273) ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وابن أبي شيبة (31773) مرسلاً، وصححه الحاكم (2/613) . قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. المجمع (8/188) ، وذكره الحافظ في الفتح (6/575) ، وصححه الألباني. صحيح الأدب المفرد (207) ، السلسلة الصحيحة (45) .
(2) صحيح، أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب - باب: من قاتل دون ماله، حديث (2480) ، ومسلم: كتاب الإيمان - باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره... حديث (141) .
(3) غير مصفَّح: أي بحدّه لا بعرضه.
(4) صحيح ، أخرجه البخاري: كتاب الحدود - باب: من رأى مع امرأته رجلاً فقتله ، حديث (6846) ، ومسلم: كتاب اللعان - باب حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... حديث (1498) .
(5) يهشّون: أي يأنسون ويحبون.
(6) صحيح، قطعة من حديث أخرجه البخاري: كتاب النكاح - باب لا يخلِوَنّ رجل بامرأة ... حديث (5232) ، ومسلم: كتاب السلام - باب تحريم الخلوة بالأجنبية ... حديث (2172) .
(7) صحيح، أخرجه أحمد (5/256) ، والطبراني في الكبير (7679) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/161) . قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (1/129) ، وصححه الألباني. السلسلة الصحيحة (370) .
عبد الحميد التركستاني
الطائف
طه خياط
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-خروج النساء وتبرجهن مظهر لضعف الغيرة. 2- الغيرة على النساء في المجتمع الجاهلي (قبل الإسلام) . 3- التأكيد على هذه الصفة في المجتمع الإسلامي. 4- تشريعات الإسلام في حفظ أخلاق المجتمع وغيرته. 5- مظهر وصور لضعف الغيرة في مجتمعنا.
الخطبة الأولى
أما بعد:
اتقوا الله أيها المسلمون وتمسكوا بأوامر الله واجتنبوا نواهيه تفلحوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار.
أيها الإخوة: سوف يكون حديثي في هذه الخطبة عن مفهوم الغيرة الصحيح في الإسلام، ومما دعاني إلى كتابة هذا الموضوع هو ما أراه وأشاهده من انتكاس هذا المفهوم لدى كثير من الناس اليوم.
فالنساء مثلا أصبحن يملأن الشوارع والأسواق والبقالات بل وفي كل مكان مليء بالرجال نجد مزاحمة النساء لهم وهن متبرجات متهتكات سافرات عن الوجوه قد وضعن على وجوههن جميع أنواع المساحيق والزينة والعجيب في الأمر أنك ترى مع المرأة المتبرجة السافرة أخاها أو أباها أو زوجها وهو يمشي معها ويضاحكها على مرأى من الناس وهو مع ذلك لا يستحي من نفسه ولا يخجل من مشاهدة الناس له بل ولا يغار على زوجته أو ابنته أو أخته وقد خرجت سافرة متبرجة في أبهى زينة قد عصت الله ورسوله، ترمقها أعين الذئاب الجائعة وهو يعرضها بهذه الهيئة المبتذلة الخارجة عن الستر والحياء والعفة وكأنه لم يصنع شيئا بدعوى التقدمية الديوثية.
وإنني والله لأعجب أشد العجب عندما أرى رجلا تقوده زوجته في البقالة تزاحم الرجال لتشتري ما تريد وقد حسرت عن ذراعيها وكشفت عن وجهها أو عينيها وهو معها كأنه مجرد خادم أو دمية لا يحرك ساكنا.
فهل وصل بنا الحال يا أمة الإسلام أننا لا نستطيع شراء شيء من البقالة إلا مع الزوجة، ألا تستطيع أيها الرجل أن تكتب الطلبات في ورقة وتشتريها أنت من البقالة؟ وهل شراء المعلبات من البقالة يحتاج إلى خروج الأسرة كلها لتقضي ما بين العصر والمغرب أو ما بين المغرب والعشاء في البقالة وتزاحم الرجال ويكون الغزل في كثير من الأحيان من بعض هؤلاء النسوة في هذه الأمكنة؟ وأعجب من ذلك خروج المرأة مع السائق الأجنبي وقد كشفت عن وجهها وهي في السيارة وكأنها مع أحد محارمها بل أصبح السائق في كثير من البيوت وكأنه أحد أفراد العائلة وتخرج المرأة معه إلى أي مكان تريد ولي أمرها غائب لا يسأل عنها، ولا يسألها متى خرجت وإلى أين ذهبت؟ لأنه مشغول بتوافه الأمور حتى أصبح الأصل للنساء اليوم هو السوق أو الشارع أو البقالات وليس البيت.
مع أن الله عز وجل جعل الأصل هو البيت حيث قال سبحانه: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى .
والسبب في خروج النساء بهذا الشكل هو ضعف الغيرة لدى الناس اليوم إن لم أقل بانعدامها.
وما عجبي أن النساء ترجلت ولكنّ تأنيث الرجال عجاب
أيها الإخوة: لقد كان العرب في الجاهلية يعدون المرأة ذروة شرفهم وعنوان عرضهم ولذلك فقد تفننوا في حمايتها والمحافظة عليها والدفاع عنها زوجة وأما وابنة وأختا، وقريبة وجارة، حتى يظل شرفهم سليما من الدنس وعرضهم بعيدا عن أن يمس، ولم يكن شيء يثير القوم كالإعتداء على نسائهم أو المساس بهن ولذلك كانوا يتجشمون في الدفاع عنهن كل صعب ولا يبخلون بكل غال، لقد كانت الغيرة تولد مع القوم وكأنهم أرضعوها فعلا مع لبن الأمهات.
على عكس ما نراه اليوم.
وفي بيئة العرب التي قامت فيها الأخلاق على الإباء والاعتزاز بالشرف كان لابد للرجال والنساء من العفة ومن التعفف لأن العدوان على العرض يجر الويلات والحروب وكان لابد من الغيرة على العرض لا يخدش والعفة شرط من شروط السيادة فهي كالشجاعة والكرم.
وكان العرب أغير من غيرهم: لأنهم أشد الناس حاجة إلى حفظ الأنساب ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها وقد وصل الحال بهم في الغيرة أن جاوزوا الحد، حتى كانوا يئدون بناتهم مخافة لحوق العار بهم من أجلهن.