وكان من نخوة العرب وغيرهم أنه كان من عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال والرّعاء ثم النساء إذا صدرت كل الفرق المتقدمة حيث يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمنات ممن يزعجهن فمن تأخر من الرجال عند الماء حتى لقينه النساء فهو عندهم في غاية الذلة والمهانة.
وهذا في الجاهلية، أما اليوم فنجد المرأة هي التي تزاحم الرجال في كل مكان وتتجرأ عليهم وتتقدم عليهم وهي في أبهى زينة وأحسن منظر، فأين نحن من أولئك؟
وكان للغيرة عند القوم مظاهر كثيرة: منها حبهم لعفة النساء عامة ونسائهم خاصة ومنها حبهم لحيائهن وتسترهن ووفائهن ووقارهن.
وكان من مظاهر الغيرة عند العرب ستر النساء ومنعهن من الظهور أمام الرجال يقول الأفوه الأودي:
نقاتل أقواما فنسبي نسائهم ولم يرَ ذو عزٍ لنسوينا حجلا
بمعنى أنه لا يرى أي إنسان خلخال المرأة التي تلبسه في قدميها لشدة تحريهم في عدم إظهار نسائهم.
وأما اليوم فيرى الشعر والوجه واليدان والفستان والقدمان وأحينا إلى منتصف الساق والعباءة على الكتف والصدر رأوا النحر قد بدا منها وأما الحلي فحدث ولا حرج كالأساور والقلائد وما أدري ما السبب في حب إظهار المرأة زينتها أمام الرجال الأجانب؟
وكان العرب مع هذه يفخرون بغض البصر عن الجارات ويعتبرون ذلك من العفة والغيرة على الأعراض وما أجمل قول عروة بين الورد:
وإن جارتي ألوت رياح بيتها تغافلت حتى يستر البيت جاريته
وقول عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يوارى جارتي مأواها
أين من هؤلاء بعض الشباب اليوم الذين يتسكعون في الأسواق أو يتلصصون حول الحرمات ليس لهم همّ سوى الجري وراء شهوة الجنس وسعار الشهوة؟
أيها المسلمون: هذه هي أخلاق العرب لو بذل في سبيل ذلك:
النفس والمال
أصون عرضي بمالي لا أبدده
لا بارك الله بعد العرض في المال
ولما جاء الإسلام حمد تلك الغيرة وشجع المسلمين عليها، ذلك أنها إذا تمكنت في النفوس كان المجتمع كالطود الشامخ حميّة ودفاعا عن الأعراض والمؤمن الحق غيور بلا شطط يغار على محارم الله أن تنتهك يغار على أي امرأة أجنبية كانت أم قريبة يغار عليها من كل مجرم أثيم .
وفي الحديث الصحيح أن سعد بن معاذ قال كلاما بين يدي النبي دل على غيرته الشديدة فقال: (( أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني ) )رواه البخاري.
وفي الحديث الآخر قال: (( إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم الله ) )رواه البخاري وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: (( يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزني، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) ).
وقال أيضا: (( ما من أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ) ).
هذه هي الغيرة، غيرة الإسلام على المحارم والأعراض المنبثقة من غيرة رب العباد والمتمثلة في خاتم المرسلين فقد كان أشد الآدميين غيرة لأنه كان يغار لله ولدينه ولهذا كان لا ينتقم لنفسه، وهي ليست خافية على أحد من الناس ولهذا يقول ابن القيم: إن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة عليه حرام، أ.هـ.
ومن أجل أن يكون المجتمع المسلم نظيفا، أمر الإسلام بعدد من النواهي والأوامر ليحفظ هذا المجتمع طاهرا نقيا وتصبح مظاهر الغيرة فيه جلية ومن علامات هذا النقاء محب الستر ولذلك فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن وعدم إبداء زينتهن يقول تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن.. ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ، وقال: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، أي ألزمن بيوتكن ولا تخرجن إلا لحاجة ونهى عن تبرج الجاهلية الأولى فكيف بالله بمن خرجت تزاحم الرجال وتعمل مع الرجال وتختلط مع الرجال بلا حياء ولا خجل ولا خوف من الله؟ وحرم الإسلام كذلك الدخول على النساء لغير محارمهن كما حرم الخلوة بهن قال: (( إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت ) )والحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقاربه وقال: (( لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله امرأتي خرجت حاجة واكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: ارجع فحج مع امرأتك ) )الله أكبر.
تطهير وتحصين لهذا المجتمع الفاضل فلا خلوة ولا ريبة، حتى الجهاد يؤمر الرجل بتأجيله من أجل أن يحج مع امرأته فلا تسافر وحدها.
هذه روح الشرع الحنيف والمتأولون كل يوم يطلعون علينا بجديد.
ومن لوازم هذه الغيرة: الحياء قال: (( الحياء خير كله ) ).
وقال أيضا: (( الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ) )، فالحياء يمنع المؤمن والمؤمنة من انتهاك محارم الله.
ومن لوازم الغيرة غض البصر قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن.. .
يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية: إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين، فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي والنظرة الخائنة والحركة المثيرة والزينة المتبرجة والجسم العاري كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون فالنظرة تثير والحركة تثير والدعابة تثير والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية. انتهى كلامه.
ولا يستطيع الإنسان أن يكبح جماح هذه الشهوات العارمة إلا إذا كانت الغيرة متأصلة فيه متمسك بركابها عامل بمقتضياتها حسب المنهج الإسلامي السديد فلا مجال للمرأة أن تخرج من بيتها في كل وقت ولا مجال لها أن تتبرج ولا أن تسفر عن وجهها ولا أن تتزين للرجال الأجانب ولا أن تزاحم الرجال وتخالطهم سواء كان ذلك في مجال العمل أو في الحياة اليومية الطارئة، فالحيلولة دون هذه الاستثارة وإبقاء الدافع النظري بين الجنسين سليما هو إحدى وسائر الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف خال من الفتن والشهوات . ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين .
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
أيها الإخوة: عرفنا مما تقدم أن الغيرة خلق عربي أصيل ارتفع به الإسلام آفاقا عالية سامية وقمما شامخة في ظل مجتمع وارف الضلال.
ثم بدأت الأخلاق تتغير عند الكثيرين، مع ضعف الوازع الديني وهجمة الغرب الشرسة، حتى بدت المظاهر الإسلامية النظيفة عجيبة في العلاقات الاجتماعية والأخلاقية.
ابتعد كثيرون عن الواقع النظيف وحتى غيرة أهل الجاهلية، انحدرت وتلاشت في كثير من الأوساط إذ أصبح الاختلاط بين ما يسمى بالأسر التقدمية شائعا حيث الأحاديث المشتركة والموائد المختلطة.
وفي المطارات ما يراه المسلم من مظاهر شائنة لا تحرك غيرة ولا رجولة لقد حاولت بعض الأقلام الهابطة أن تنتزع عن الفتاة المسلمة كل خلق أو تقليد حتى الحياء الذي كانت تتميز به الفتاة المسلمة لتجعلها كالفتاة الغربية في ترجلها وتكسيرها وتغنجها وعريها ولكن باءت محاولتهم بالفشل ولله الحمد.
ونحن نحسب أن هذه الأمة قد استيقظت من رقادها وأنها قد عرفت ما الذي ينفعها هل هو دين الله أم تقليد الغرب الكافر؟