فهرس الكتاب

الصفحة 8604 من 9994

تلك أيُّها المسلمونَ دعوةٌ لأن تكونَ أفراحنا إسلاميةً تُقامُ وفقَ الضوابطِ الشرعيةِ، والآدابُ المرعيةِ، و تكوِّنُ منها بيوت إسلامية تعمرُ الكونَ بطاعةِ الله، وأنَّ زواجاً أوَّلَهُ معصيةً للخالقِ لحريٌّ أن تُنزعَ بركتهُ، وأن يُسلبَ أهلهُ التوفيقَ والوئام، وما كثرةُ حالاتِ الطلاقِ إلاَّ نذيرٌ بذلك، هذه دعوةٌ إلى تصحيحِ الحالِ والرضا بشريعةِ ربِّ العزةِ والجلال، أوجِّهُهَا إلى كلِّ من يشعرُ بانتمائهِ لهذا الدين، ومن يخشى لقاءَ ربِّ العالمين ، فهل من سامعٍ للدعوةِ، وهل من ملبٍ للنداء ؟ هذا هُو المؤملُ والمنتظرُ من خيرِ أمةٍ ومعشر، من إذا دُعوا إلى اللهِ ورسولهِ ليحكمَ بينهم، قالوا سمعنا وأطعنا وأولئكَ هم المفلحون 0

وأخيراً فإنَّ النفسَ تقفُ إعجاباً وإكباراً لتلكَ الأُسر المسلمةِ المتحضرة الواعية، تلك التي أحالت زواجها إلى أفراحٍ إسلاميةٍ يتخللُها الكلمةُ الطيبة، واللهوِ البريء، والإنفاقِ المُعتدل، أسرٍ جعلت زواجَها في استراحات، وقصرت الدعوةُ على الأقرباءِ والقريبات، أسرٍ جعلت من زواجِها موسماً للدعوةِ، ومجالاً للتوجيه أسرٍ نزهت أفراحَها عن اللغوِ والفسوقِ ومنكراتِ الأفعال والأقوال، فلهذهِ الأسرِ نهدى التحايا، ومثلَها جديرٌ أن توفقَ وتُسدد

إِنَّ الحَمد َللهِ نَحْمدُهُ تَعَالَىْ وَنَسْتعيْنُهُ وَنَسْتغفِرهُ وَنَسْتهديْهْ، وَنعوْذُ بِاللهِ مِنْ شُروْرِ أَنفُسِنَا وَسَيئَاتِ أَعْمالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاْ مُظِلَ لَهْ, وَمَنْ يُظلِلْ فَلَنْ تَجدَ لَهُ وَلِياً مُرْشِدَا، وَأَشْهدُ أَنَ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهْ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمدُ وَهُوَ عَلَىْ كُلِ شَيْءٍ قَدِيْرْ، وَأَشْهَدُ أَن سَيِدَنَا وَحَبِيْبَنَا مُحمدٌ- صَلىْ اللهُ عَليْهِ وَعَلىْ آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلمَ- تَسلِيْماً كَثيْراً إِلىْ يَوْمِ الدِيْنْ .

أَيُهَا النَاْسْ:

َقُولُ اللهُ تَباركَ وتَعالى فِيْ كِتابهِ الكَريمْ: (( وانْكِحُوْا الأَيَامىْ مِنكمْ والصَالحينَ مِنْ عِبَادكُم وإِمَائِكمْ إِنْ يَكُونُوْا فُقَراءَ يُغْنِهمُ اللهُ مِنْ فَضلهِ واللهُ وَاسعٌ عَليمْ ) ).

ويَقولُ تَعالىْ: (( إِنَّ أَكْرمكُم عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) ), مِنْ هَذِهِ الآيَاتِ نَسْتنبطُ أَنَّ الإِسلامَ حضَّ عَلىْ حُسنِ اخْتِيارِ الزَوجِ أو الزَوجةِ مِنْ ذَوي الأَخلاقِ والصَلاحِ والدِينِ والعِفةْ. فَفِي هَذِه الآيَاتِ لَمْ يَشترطْ مِن أَمرِ الكَفاءَةِ فِي الزَوجِ إِلاَّ الصَلاحْ، وهُوَ الدِينُ وحُسنُ الخُلقِ والقُدرةُ عَلى النِكاحْ، ولَمْ يَشْترطْ الغِنَى، بَلْ وَعَدَ اللهُ فِيهَا بِأَنَّهُ يُغنيْ الفُقراءَ مِن الأَزواجْ، وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاًً, وأَمَّا كَفَاءةُ النَسبِ والمَالِ فَليسَ لَها وَزْنٌ فِي الإِسلامْ، فَقدْ زَوَّجَ رَسولُ r ابْنَةَ عَمَّتِهِ مِن زَيدِ بنِ حَارثةْ، وزَوَّجَ عَبدُ الرَحمنِ بنِ عوفٍ أخْتَهُ مِنْ بِلالِ الحَبشيْ، وزَوجَ أَبُو حُذَيفةَ سَالمَاً مِن هِندِ بنتِ الوليدِ بنِ عُتبةٍ بنِ ربيعةٍ، وهُوَ مَولَى لامرأَةٍ مِن الأَنصارْ، فَقدْ رَوى البُخاريُّ والنِسَائِيُّ عَن عَائشةَ- رَضيَ اللهُ عَنهَا-: أَنَّ أَبَا حُذيفةِ بنِ عُتبةِ بنِ رَبيعةِ بنِ عبدِ شمسْ، وكَانَ شَهدَ بَدراً مَع رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ تَبنَّى سَالماً، وانْكَحهُ بِنتَ أخِيهِ هِندَ بنتِ الولِيدِ بنِ عُتبةِ بنِ ربيعةِ، وهُوَ مَولى لامرأَةٍ مِن الأَنصارِ _ كَمَا تبنَّى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم زَيداً, وكَانَ مَن تَبَنَّى رَجلاً فِي الجَاهليةِ دَعاهُ النَاسُ لأَبيهِ، فَورثَ مِن مِيراثِهِ، حَتَّى أَنْزلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِي ذَلكَ: (( ادْعُوهمْ لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللهْ ، فإِنِ لَمْ تَعلمُوْا آبَائَهُم فإِخْوَانُكم فِي الدِينِ ومَوالِيكُمْ ) ), فَمنْ لَمْ يُعلمُ لَهُ أَبٌ كَانَ مَولَى وأخَاً فِي الدِينْ، والشَّاهِدُ مِنهُ زَواجُ سالِمٍ مِن هِندِ بنتِ الوليدْ, وأَمَّا زَيدُ بنُ حَارثَةِ فزَواجُهُ مِن زَينبٍ بِنتِ جَحشٍ- رَضيَ اللهُ عَنها- مَذكُورٌ فِي القُرآن الكَريمْ ، وهِي التِي تَزوجَهَا الرَسولُ r بَعدهْ, وأَمَّا هِندُ بنتُ الوليدِ قد تَزوجَهَا سَالمْ, فَفيْ بَعضِ الرِواياتْ: (( كَانتْ هِندُ بنتُ الوليدِ بنِ عُتبةٍ مِن المُهاجرَاتِ الأُوَلْ، وهِيَ يَومئذٍ أَفضلُ أيامي قُريشْ, فَلمْ يَمنعْ هَذَا مِن زَواجِ سالمٍ بِهَا. ثُمَّ إِنَّهُ r زَوَّجّ أُمامَةَ بنَ زَيدٍ وَهُوَ ابنُ مَولاه مِن فَاطمةَ بنتِ قَيسٍ القُرشيةُ ) )رَواهُ مُسلمْ.

وفِي الحَديثِ الذِيْ رَواهُ أَبو دَاوودٍ بإِسنادٍ جَيدٍ عَن أَبي هُريرةٍ- رَضيَ اللهُ عَنهُ-: أَنَّ أَبَا هِندٍ حَجَمَ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نَافُوخِه - يَعنيْ وسَطَ رَأسهِ- فَسمِعتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: (( يَا بَنيْ بَيَاضَة أَنكِحُوا أَبَا هِندٍ وأنْكِحوْا إِليهْ, ثُمَّ قَالَ:وإِنْ كَانَ فِي شَيءٍ مِمَّا تَداوُونَ بِهِ خَيرٌ فَالحِجامَةْ ) ), فَهَا هُوَ r يَأمرُ بِتزويجِ الحَجَّامْ, لكِنَّ النَّاسَ لِقِصَرِ فِهمِهِم لا يَذْهبونَ إِلاَّ إِلى المَالِ وشِبهِهِ مِن زَخارفِ الدُنيا, والرَسولُr قَد جَعلَ المِقياسَ لِهذَا هُوَ الدِينْ, كَمَا جَاء فِي الحَديثِ الحَسنِ الذِي روَاهُ التِرمذيُّ أَنَّهُ r قَال: (( إِذَا جَاءكُم مَن تَرضونَ دِينَهُ وخُلقَهُ فَأَنْكحُوهْ, إِلاَّ تَفعلوْا تَكنْ فِتنةٌ فِي الأَرضِ وفَسادْ, قَالوا يَا رَسولَ اللهِ وإِنْ كَانَ فِيهِ-يَعنِي شَيئًا مِن قِلةِ المَالِ أَو عَدمِ الكَفاءَةْ, قَالَ: مَن تَرضونَ دِينهُ وخُلقَهُ فَأنكِحوهْ- ثَلاثَ مَراتْ ) ).

إِنَّ الوَاجبَ علَينَا أَنْ نَختارَ للمَرأةِ في النِكاحِ مَن اخْتَارهُ اللهُ ورَسولُهُ r فَإِنهُ نِعمَ الاخْتِيارْ؛ لأَنَّ فِي اتِّصَالِ المَرأَةِ بِهِ خَيرٌ أَو فَلاحْ, إِنْ أَمسكَهَا أَمسكَهَا بِمعرُوفٍ وإِنْ فَارَقهَا فَارقَهَا بِمعروفٍ، لأَنَّ عِندهُ مِن الدِينِ والتَقوى مَا يَمنعُهُ مِن ظُلمِ المَرأةِ والمَطلِ بحَقهَا.

إِنَّ المَظاهِرَ خَداعةْ، وبَعضُ النَاسِ يَهتمُّ بهذهِ المَظاهرْ، ولا يُفتشُ عن المَخَابِيْ، وقَد أَخبرَ اللهُ عَنْ بَعضِ المَظاهرِ الخَداعةِ فَقَال: (( وإِذَا رَأيتَهمْ تُعجبُكَ أَجسامُهم وإِنْ يَقولوْا تَسمعْ لِقولِهمْ ) ).

لكنَّ الحُكمَ الصَحيحَ عَلى هَؤُلاءِ (( كأنَّهُم خُشبٌ مُسندةْ ) ).

ورَوى البُخَاريُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ مَرَّ عَلى النَبِي r رَجلٌ فَقَال: (( مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَريُّ إِنْ خَطبَ أَنْ يَنكحْ، وإِنْ شَفعَ أَنْ يُشفعْ ، وإِنْ قَالَ أَنْ يُسمعْ ، ثُمَّ سَكتَ، فَمرَّ رَجلٌ مِن فُقراءِ المُسلمينَ فَقَالَ النَبِيr: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَريٌّ إِنْ خَطبَ ألاَّ يَنكحْ، وإِنْ شَفعَ أَلاَّ يُشَفعْ، وإِنْ، قَالَ أَلاَّ يُسمعْ، فَقالَ رَسولُ اللهِ: هَذَا خَيرٌ مِنْ مِلءِ الأَرضِ مِن مِثلِ هَذَا ) ). فجَعلَ الفَقيرَ خَيراً مِن مِلءِ الأَرضِ مِن ذَاكَ العَظيمُ فِي أَعينِ النَاسْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت