ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها؛ ومع ذلك فقد نهى عن الصلاة في هذا الوقت، حسما لمادة المشابهة بكل طريق.
وعليه فمشابهة أهل الكتاب والكفار من الأعاجم ونحوهم لابد أن تورث عند المسلم نوع مودة لهم، أو هي على الأقل مظنة المودة، فتكون محرمة من هذا الوجه؛ سدا للذريعة، وحسما لمادة حب الكافرين، والولاء لهم، فضلا عن كونها محرمة من وجوه أخرى، بالنصوص الشرعية الواردة وغيرها.
وإننا لندرك بوضوح أن فئاما ممن يتشبهون بالكفار، في لباسهم أو سلوكهم أو عاداتهم، أو يتكلمون بلغتهم، أنهم تميل نفوسهم إلى حبهم وتقديرهم والإعجاب بهم، ومن هنا ينجح أهل الكفر، في أن يروجوا بين المسلمين دعوات مدوية يكون لها رجع الصدى في بعض النفوس المريضة إلى حضارات عالمية، وزمالات أديان، تهدف إلى إذابة الشخصية الإسلامية، حتى إن المتنكر لهم يسمى انعزاليا وانطوائيا، بل ورجعيا ضيق الأفق، معزولا عن العالم، يجب أن يموت في مهده ـ زعموا ـ.
فما المانع عندهم إذاً من أن تصلصل النواقيس، بجانب المآذن المدوية الله أكبر الله أكبر، وما المانع عندهم أن تتعانق الأديان على أرض جزيرة العرب، ناسين أو متناسين قول المصطفى: (( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) )رواه مالك وأحمد بنحوه (10) [3] .
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:120] .
وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89] .
هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأفضل البشرية...
(1) لاحق وسكّاب فرسان للعرب مشهوران ، والعيدية هي النوق النجائب ، منسوبة إلى بني العيد.
(2) صحيح البخاري ح (7320) ، صحيح مسلمح (2669) .
(3) صحيح البخاري ح (7319) .
(4) حسن ، مسند أحمد (3/338) ، مصنف ابن أبي شيبة (6/228) .
(5) صحيح ، مسند أحمد (2/50) ، سنن أبي داود (4031) ، وانظر فتح الباري (10/274) .
(6) صحيح البخاري ح (304) ، صحيح مسلم ح (79) .
(7) مسند أحمد (2/201-202) . قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح6885) : إسناده صحيح.
(8) صحيح مسلم ح (302) .
(9) المصدر السابق ح (858 ، 832) .
(10) موطأ مالك (2/892) وهو مرسل ، أما حديث أحمد فهو في المسند (1/22) وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال حين اشتد به الوجع: (( ايتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ) )وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( أوحي بثلاث ) )قال: (( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.. ) )الحديث.
قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (1935) : إسناده صحيح.
عبد الله الشرقاوي
الدار البيضاء
الصفا
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-التشبه المذموم بالكافرين. 2- الأخذ المقبول من الكافرين متى يكون. 3- مفاسد التشبه بالمشركين: أ- الشك في عقائد الدين. ب- المجاهرة في الطعن في الدين. ج- انتشار حرية الدين والأخلاق. د- تضييع الفرائض واستحلال المحرمات. 5- إفساد المرأة المسلمة. 6- انتشار الفكر الإرجاني.
الخطبة الأولى
أما بعد:
عباد الله: خير ما أوصيكم به ونفسي تقوى الله عز وجل، ومن التقوى الاقتداء بالسلف الصالح من هذه الأمة ونعني بالسلف الصالح رسول الله وصحابته والتابعين لهم بإحسان فبذلك يسلم لنا ديننا، وتطهر حياتنا ويسود الأمن والاطمئنان سائر المجتمع الإسلامي قال تعالى: من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
أيها الأخوة والأخوات في الإسلام: نلتقي اليوم كعادتنا كل يوم جمعة لنتناصح فيما بيننا، فلا خير في قوم لا يتناصحون، ولا خير فيهم إذا لم يقبلوا النصيحة، ومن النصائح الأكيدة التي يجب أن يذكر بها بعضنا بعضا أن الله تعالى نهى المسلمين عن اتباع الكافرين وتقليدهم في أخلاقهم وعاداتهم واحتفالاتهم لأن من تشبه بقوم فهو منهم، ولأن القدوة المثالية لكل مسلم ومسلمة هو رسول الله وأصحابه وأزواجه قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً.
واليوم أيها المسلمون نستعرض النتائج السلبية التي نتجت عن تقليد الكافرين والمشركين، وكيف جنت هذه النتائج على الأمة الإسلامية أسباب التأخر والانحطاط، ولكن وقبل ذلك نذكر مسألة تتعلق بهذا الموضوع وهي أن المذموم من التشبه بالكفار هو ما يكون بسببه اندثار الدين والقضاء على الشريعة وفساد الأخلاق وما يتعارض مع أحكام الإسلام، وأما ما لم يكن كذلك فليس بمذموم ولا يمنع الشارع منه كالمشاريع التي تعود بالخير والفائدة على الإسلام والمسلمين في المجال الصناعي والتكنولوجي والخبرات المهنية، إنه يجب التنبيه أن الأوربيين من المسيحيين والكافرين لا يقدمون مساعدة للمسلمين إلا أخذوا أضعافها من خيرات البلاد، سواء كانت هذه الخيرات في المجال المادي أو البشري.
ومما يدل على أن الإسلام لا يقف موقف المعارض الرافض للأخذ بتقدم الحياة أن النبي أخذ برأي سلمان الفارسي في غزوة الأحزاب لما أخبره سلمان أن الفرس يتحصنون في حروبهم بالخندق، لأن الحرب خدعة، والاستعانة على العدو بشتى الوسائل مطلوب لقوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم كما ورد أنه أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة غير العربية ليكون ترجماناً له، وصح أنه اتخذ الخاتم لما قيل له: أن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، لهذا كان الانتفاع بالمخترعات الحديثة لا دخل له في التشبه المحرم شرعاً.
ويزعم كثير من الناس أن التقدم والرقي لا يكونان إلا بالتشبه بالكفار واقتفاء آثارهم، بينما التقدم الحقيقي يكون بالعلم والجهاد والعمل وإنفاق المال وتسخير الطاقات المادية والبشرية نحو الصالح العام، والدليل على ذلك أن اليهود أنفقوا الأموال الطائلة وضحوا بالتضحيات الغالية في سبيل أرض فلسطين وربحوا المعركة هناك، بينما بخل المسلمون بأموالهم في سبيل الجهاد وصرفوها في الخمور والفجور فخسروا المعركة، ولن تحرر فلسطين إلا بالجهاد، والجهاد يكون بالأموال والنفس: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.
أيها المسلمون: قال الأمير شكيب أرسلان رحمه الله في كتابه القيم: (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) يقول: أضاع الإسلام جاحد وجامد، أما الجاحد فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين ويجردهم من جميع مقوماتهم ويحملهم على إنكار ماضيهم، ويجعلهم أشبه بالجزئ الكيماوي الذي يدخل في تركيب جسم آخر فيذوب فيه ثم يقول: قوم يعتصمون بدينهم ومقوماتهم الموروثة ولا ينبذون بهذه بحلاوة الألقاب إلى المسلمين، فإذا دعاهم داع إلى الاستمساك بقرآنهم وعقيدتهم ومقوماتهم وباللسان العربي وآدابه والحياة الإسلامية قامت قيامة الذين في قلوبهم مرض وصاحوا لتسقط الرجعية وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكون بأوضاع بالية قديمة من القرون الوسطى، ونحن في عصر جديد.