أيها الإخوة المسلمون، والمسافة بعيد ة بين قراءة القرآن وتدبره والعمل به، وهجره ومخالفته وعدم الاكتراث به، والفرق كبير بين من يقرأون القرآن ويعملون به، ومن يهجرون القرآن ويلغون فيه، وحين اشتكى المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ربه من الذين يهجرون القرآن أوحى الله إليه أن من قبلك من المرسلين جعلنا لهم أعداء (( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) ) ( الفرقان: 30-31)
وإذا كان هجر القرآن صفة مذمومة، والذين يهجرون القرآن فئة معلومة فاتقوا الله معاشر المسلمين في القرآن الكريم، واحذروا هجره.
إخوة الإسلام:
يكاد القرآن يهجر عند بعض المسلمين فيقل قراءته في المساجد إلا في رمضان، وأقل من ذلك قراءة القرآن في البيوت وتخصيص حلق نافعة تجتمع عليها الأسرة، وتكون مائدتها القرآن.
وربما فهم البعض أنه يكفيهم من القرآن أن تتلى آياته في المناسبات والاحتفالات وأن يستفتح به في البرامج والإذاعات.
والحق أن تقديمه يعني عدم التقدم عليه، والوقوف عند حدوده وأحكامه وينبغي أن يفهم أن تقديمه رمز لإعلاء شأنه وعدم مخالفته، وأنه الحاكم الحق والفيصل بين الخلق (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ) ( النساء: 59) .
وهل رد الأمر إلى الله والرسول إلا رد لما ورد في القرآن إما جملة وإما تفصيلا؟!
ومن صور هجر القرآن عدم العمل به، وربما وجدت قارئا مكثرا من قراءة القرآن، لكنك لو فتشت في حاله لوجدته في واد والقرآن في واد آخر، وقد قيل كم من قارىء للقرآن والقرآن يلعنه، نعم ومصداق ذلك أن هناك من يقرأ (( أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ) (هود: 18) .
وهو يظلم- يقرأ لعنة الله على الكاذبين، وهو يكذب.
ويقرأ الوعيد الشديد في أكل الربا وهو واقع فيه، ويسمع آيات الله تتلى في تحريم شرب الخمر والزنا أو غيرهما من الفواحش، وكأن هذه الآيات لا تعنيه. ما هكذا تكون قراءة القرآن يا عباد الله، وما نزل القرآن من أجل أن يتسلى به،
أو يترنم بآياته فحسب؟
ومن صور هجر القرآن عدم الاهتمام به فلا يعلمه بنفسه ولا يتعلمه من غيره فضلا عن أن يعلمه لمن يحتاج إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ).
أيها المسلمون:
إذا كان هذا بعض شأن هجر القرآن في عموم المسلمين، فإن هجر القرآن لدى الحكام أو الأمراء أو العلماء أشد وأنكى، ذلك أن هؤلاء يخولون للحكم به، وإلزام الناس بالتحاكم إليه، وسياسة الخلق على هداه، ويوم أن تفرط الأحكام عن توجيهات القرآن، أو الحكم بالقرآن في بعض الأمور ويتجاهل في أمور أخرى، أو تزاحم أحكام القرآن مواد القوانين الوضعية، أو الدساتير البشرية، فقل على المجتمع بل على الأمة السلام، وتلك من أعظم صور هجر القرآن.
إن الله تعالى أمرنا بالتحاكم إلى القرآن، ووصف الذين لايحكمون به بالكفر والفسوق فقال تعالى: (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ) ( المائدة: 44) .
وفي آية أخرى (( فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) ( المائدة: 45) .
وفي آية ثالثة (( فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) ( المائدة: 47) .
ومن حق المسلم في ديار الإسلام أن يطلب التحاكم إلى القرآن في كل أمر يهمه، أو قضية تعرض له ومن حقه كذلك أن يرفض التحاكم إلى القوانين البشرية والأنظمة المستوردة.. لكن لا ينبغي أن يكون الهوى والمصلحة هما المسير له، فأيهما وجد فيه مصلحة له انساق له ورضي به، وليس من داع أن يقال لك أخي المسلم إن حكم الله دائما وحكم القرآن أبدا فيهما المصلحة للبشر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لأن تلك بدهية من البدهيات، ولأن الذي خلق أعلم بمن خلق، وهو الحكيم الحميد، فكيف والعالم اليوم عاد يشكو من الظلم والاضطهاد، وبات يتبرم من أحكام شريعة الغاب، وأضحى القادة والمفكرون في البلاد الكافرة يبحثون عن مخرج ويتلمسون المنقذ.. ولا مخرج إلا بالإسلام، ولا منقذ إلا الرحمن، فهل يعي المسلمون دورهم، ويكونون عند حسن الظن بهم، ويقدمون للعالم كله أنموذجا للحياة السعيدة في الدنيا، وطريقا آمنا للوصول إلى الآخرة.
اللهم هيئ للمسلمين من أمرهم رشدا، اللهم اهدهم واهد بهم، وارحمهم وارحم بهم، هذا وصلوا على النبي... صلى الله عليه وسلم.
(4) الصحيح مع الفتح 9/ 73
(5) ابن حجر ، الفتح 9/73
(1) البخاري مع الفتح 9/73
(2) الحديث رواه مسلم 1/552
(1) الحديث متفق عليه ،والفظ لمسلم 1/549
(2) نقل ذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله - في الفتح 9/66 - 67
(3) الفتح 9/83
(4) صحيح مسلم 1/563
(1) رواه مسلم 1/551
(3) تفسير ابن كثير 7/85
(4) الفتح 9/96- 97
(5) الاتقان للسيوطي 1/137
الحمد لله الذي عَلّم بالقلم، عَلّم الإنسان ما لم يعلم .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ـ فَضّلّ العلم والتعلّم، وقال وهو أصدق القائلين: (( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) ) (الزمر: 9) .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين .
قال فيما صَحَّ عنه (( مَنْ يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) )اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أَمَّا بعد .
فيا أيها المسلمون: أتقوا الله عز وجل ، واجتهدوا في معرفة الأحكام الشرعية وتزوّدوا من العلم النافع الذي يقربكم إلى ربكم سبحانه ويكون سبباً في الرفعة في الآخرة والأولى .
قال الله جَلَّ وعلا عن فضل أهل العلم العاملين: (( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ) (المجادلة: 11) .
وأخبر ـ جَلَّ وعز ـ أن العلم النافع سببٌ لخشية الله سبحانه .
ولذا فالعلماء أكثر الناس لله خشية ، وأشدهم له تعظيماً قال الله تعالى: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ) (فاطر: 28) .
ولو لم يرد في فضل العلم وطلبه إلا أن الله أمر رسوله أن يسأل الزيادة منه لكفى قال جَلَّ وعلا: (( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) ) (طه: 114 ) .
ولقد استشهد الله ـ عز وجل ـ بأولي العلم على أجلِّ مشهود عليه وهو توحيده فقال عَزَّ وجل: (( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) ( آل عمران: 18) .
عباد الله: والمراد بالعلم الذي هذا فضله ، وتلك مكانته هو العلم الشرعي الموروث عن رسول الله محمد بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ ولذا صار العلماء والربانيون هم ورثة الأنبياء .