فهرس الكتاب

الصفحة 8068 من 9994

قال ابن بطال رحمه الله تعالى: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده؛ لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة ورخص في ذلك بعضهم0

ويستتبع كثرة الأموال في أيدي الناس: اتساع التجارة وتنوعها، وكثرة الأسواق وتقاربها، مع تعدد المعارف والعلوم الدنيوية التي تكون في خدمة المال وتنميته؛ ولذا جاء الربط في بعض الأحاديث بين كثرة المال وبين كثرة القلم في الناس، كناية عن العلوم والمعارف؛ كما روى الطيالسي بسند صحيح من حديث عمرو بن تغلب- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( إن من أشراط الساعة أن يكثر التجار ويظهر القلم ) ).

ويحدث الحسن البصري رحمه الله تعالى: عن وقت أدركه كانت التجارة فيه قليلة كما كانت الكتابة قليلة، فيقول- رحمه الله تعالى-: ( لقد أتى علينا زمان إنما يقال: تاجر بني فلان، وكاتب بني فلان ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد، قال الحسن: والله إن كان الرجل ليأتي الحي العظيم فما يجد به كاتبا ) رواه ابن عبد البر.

وقد أدرك كبار السن في هذه البلاد شيئا من ذلك قبل اتساع الدنيا، وكثرة العلوم والمعارف، فالحمد لله كثيراً على نعمه التي لا تحصى0

وقد أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أن من أشراط الساعة تقارب الزمان وتقارب الأسواق، وكل ذلك وقع في هذا الزمن؛ إذ المسافات تقاربت مع سرعة المواصلات، وتقارب الزمان مع تطور الاتصالات، والأسواق تقاربت حساً ومعنى؛ ففي أكثر المدن تكثر الأسواق وتتقارب، وهي في ازدياد واتساع ما دام الناس يشترون ويستهلكون، وسبب ذلك كثرة الأموال في أيديهم، ومع تقارب الزمن، وسرعة الاتصال أضحى التجار يتبادلون التجارة فيما بينهم وهم في بيوتهم أو مكاتبهم، مع تباعد ما بينهم من المسافات، واختلاف البلدان0

وتبلغ التجارة في فشوها مبلغاً يتقحمها النساء مع الرجال، مع أن التجارة في الأصل هي من خصائص الرجال؛ لأنهم الضاربون في الأرض، الساعون على أزواجهم وأولادهم بالرزق، روى ابن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشوا التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة ) )رواه أحمد وصححه ابن حبان.

وكان من أسباب مشاركة المرأة في التجارة عملها، واتساع المال في يدها، فصارت نداً للرجل في ذلك، ووقع ما أخبر به النبي- صلى الله عليه وسلم- من تلك الأشراط والعلامات التي تدل على قرب الساعة، ودنو القيامة، نسأل الله تعالى الموافاة على الإيمان والسنة، وأن يغفر لنا الخطيئة والزلة، إنه سميع مجيب، وأقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا أمن إلا للمؤمنين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله- عباد الله - وراقبوه، والزموا طاعته ولا تعصوه، (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ) ( النور:52)

أيها الناس:

لما أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- عما سيقع بعده من كثرة المال في الناس خاف عليهم الفتنة بالدنيا، والتقصير في حق الآخرة، وحذرهم من زينتها وزهرتها، وأخبرهم أنها إلى زوال، وحثهم على التنافس في الأعمال الصالحة التي تقربهم من الآخرة ؛ نصحاً لهم، وشفقة عليهم، ورحمة بهم، يروي عقبة بن عامر- رضي الله عنه-

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم ، وأنا شهيد عليكم، إني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا ولكن أخاف أن تنافسوا فيها ) )رواه البخاري

ولما قدم أبو عبيدة- رضي الله عنه- على النبي- صلى الله عليه وسلم- بجزية أهل البحرين سمعت الأنصار بقدومه فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رآهم وقال: (( أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء ؟ قالوا: أجل يا رسول الله ، قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم ) ).

وفي رواية: (( وتهلككم كما أهلكتهم ) )رواه الشيخان.

ومن رأى حال الناس في هذا الزمن مع الأموال وتنميتها، وأعمالهم فيها، وقارنه مع ضعف سعيهم للآخرة، وتقصيرهم في الأعمال الصالحة؛ أيقن أن كثيراً من المسلمين قد أخلوا بوصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأن ما خافه عليهم وقعوا فيه بسبب الغفلة عن الآخرة، وحب الشهوات العاجلة، مع أن الله تعالى قد كفل لهم أرزاقهم، فلن ينالوا منها إلا ما كتب لهم، وحضهم على العمل لأخراهم؛ روى الحاكم عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، لا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل عليه السلام ألقى في روعي أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصية ) ).

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه

بسم الله الرحمن الرحيم [1] [1] [1]

أيها المسلمون: إن مؤتمرات تعقد ، ودراسات تعد ، ، وبحوثاً تجمع لغرض واحد وهو: كيف يُقتل الوليد الإسلامي ، والجهاد الإيماني في مهده قبل أن يستوي عوده ، ويصبح فتىً يافعاً ثم رجلاً قوياً ، يرد الكيد ويصد العدوان ؟!!

فمنذ الأيام الأولى للصدام مع العرب ، كان الهاجس اليهودي من خطر الإسلام حاضراً ، فعندما بدأ هجوم عصابات اليهود لاغتصاب أرض بيت المقدس عام ثمانية وأربعين ، وبدأت الحركات الإسلامية في مواجهة الخطر ، سارع سفراء بريطانيا وفرنسا وأمريكا لطلب التدخل من الحكومة المصرية آنذاك وتوجيه ضربة شديدة على حركة المقاومة الإسلامية فصدرت الأوامر بمحاصرة معسكرات المجاهدين في جبهة القتال ، وجردوهم من أسلحتهم ، ثم نقلوا إلى المعتقلات والسجون .

لقد عمل اليهود وأشايعهم على مدار الأعوام الماضية على وأد أي نبتة إسلامية ناشئة ، فهؤلاء يدرسون ويخططون ، وأولئك يعملون وينفذون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت