أيها الناس فإننا في هذه الأيام على أبواب عامٍ دراسي جديد أسأل الله تعالى أن يجعله عام خير وبركةٍ وتحصيلٍ للعلم النافع وإنني بهذه المناسبة أوجه خطبتي هذه إلى ثلاثة أصناف من الناس أوجهها إلى المعلمين وإلى المتعلمين وإلى أولياء أمور المتعلمين أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يحرصوا على إدراك العلوم التي يلقونها إلى الطلبة وأن يهضموها هضماً جيداً قبل أن يقفوا أمام الطلبة لئلا يقع الواحد منهم في حيرةٍ عند الشرح أو المناقشة لأن من أعظم مقومات شخصية المدرس أمام طلبته أن يكون قوياً في علمه وملاحظته ولا تنقصه قوته العلمية في تقوية شخصيته عن قوة ملاحظته إن المعلم إذا قام أمام الطلبة دون أن يهضم المادة كان ذلك نقصاً في أداء أمانته وسبباً في ارتكابه حين الشرح أو المناقشة وإذا أرتبك المعلم أمام الطلبة فلا تسأل عن أنحاط منزلته بينهم ثم إن أجاب بالخطأ فلن يثقوا به بعد ذلك مع جنايته العظيمة على العلم وإن تعسف وأنتهرهم عند مناقشتهم إياه وسؤاله كما يفعله بعض الأساتذة الفاشلين إذا سئلوا انتهروا الطلبة وتعسفوا وأمروهم بالجلوس والسكوت فإذا فعل ذلك فلن ينسجم مع الطلبة وستضيع الفائدة بينهم إذن لا بد للمعلم من إعدادٍ واستعدادٍ وتحملٍ وصبر وعلى المعلم أيضا أن يحرص على حسن الإلقاء فيسلك أقرب الطرق في إيصال المعاني إلى أذهان الطلبة ويضرب الأمثال ويناقشهم فيما ألقاه إليهم سابقاً ليكونوا على صلةٍ بالماضي ويبنوا عليه الحاضر ويعلموا أن هناك حرصاً ومتابعة من المعلم وإن على المعلم أيضاً أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرفيق الرحيم ليكون لذلك أثرٌ بالغٌ في نفوسهم ومحبةٌ في قلوبهم وعلى المعلم أيضا أن يظهر أمام الطلبة بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل وينال الأجر بذلك من الله عز وجل وإن التلميذ ليتقلى من معلمه الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقاه من العلم من حيث التأثر لأن أخلاق المعلم وأعماله صورةٌ مشهودة معبرةٌ عما في نفسه ظاهرةٌ في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادات التلاميذ واتجاهاتهم وأما المتعلمون فإن المطلوب منهم أن يبذلوا غاية جهدهم في التعلم من أول العام حتى يدركوا المعلومات إدراكاً حقيقياً ناضجا ثابتاً في قلوبهم راسخاً في نفوسهم أيها المتعلمون إنكم إذا حرصتم من أول العام أدركتم العلوم شيئاً فشيئاً فسهلت عليكم ورسخت في نفوسكم واسترحتم في آخر العام أما إذا أهملتم أول العام فسوف تتراكم عليكم الدروس ويوشك أن لا تدركوها في آخر العام فتضيع عليكم السنة بأكملها وإذا كان على المعلمين والتلاميذ واجباتٌ تجب مراعاتها فعلى عمداء دور العلم ومديريها ورؤسائها أن يرعوا من تحت أيديهم من المعلمين والتلاميذ وغيرهم في تطبيق الواجب لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عز وجل ثم أمام حكومتهم وأمام مواطنيهم وأما أولياء أمور المتعلمين من الآباء والأمهات والأخوة وغيرهم من أهل الولاية فعليهم أن يتفقدوهم وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والعملي والفكري والخلقي وأن لا يتركوهم هملاً فيضيعوا فإن إهمالهم ظلمٌ وضياع وغفلةٌ عما أمر الله به في قوله تعالي ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ? [التحريم:6] وإن في إهمالهم تخلياً عن المسؤولية التي حمّلها النبي صلى الله عليه وسلم أمته في قوله (الرجل راعٍ في أهل ومسؤول عن رعيه) فاتقوا الله عباد الله وليؤدي كل منكم ما أتمنه ربه عليه فإذا ذلك خيرٌ له وإنه إذا أضاع الأمانة فسيسأل عنها يوم القيامة اللهم وفقنا جميعاً لأداء الأمانة وأعنا على القيام بمسئوليتنا من غير خداعٍ ولا خيانة اللهم إنا نسألك القيام في حقوقك وحقوق عبادك على الوجه الذي ترضاه عنا يا رب العالمين اللهم يسرنا للهدى ويسر الهدى لنا اللهم اغفر لنا ولوالدينا إنك أنت الغفور الرحيم اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..
(1) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( 4867 ) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور والحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد وهو على كل شيءٍ قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشر النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد