#ولذكر الله أكبر ... ... ...
سعود الشريم ... ... ...
ملخص الخطبة ... ... ...
1-الذكر حياة القلوب وجلاؤها. 2- فضيلة عبادة الذكر. 3- دور الذكر في حرب المؤمن للشيطان. 4- دور الذكر في عون المؤمن على شؤونه الدنيوية. 5- الذكر يكون على كل حال. 6- الذاكرون الغافلون. 7- مجالس الغفلة عن ذكر الله. ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل ، اتقوه في السر والعلن ، اتقوه واعبدوه ، واسجدوا له وافعلوا الخير لعلكم تفلحون .
أيها الناس:
إن قلوب البشر طُرا ، كغيرها من الكائنات الحية ، التي لا غنى لها عن أي مادة من المواد التي بها قوام الحياة والنماء ، ويتفق العقلاء جميعا ، أن القلوب قد تصدأ كما يصدأ الحديد ، وأنها تظمأ كما يظمأ الزرع ، وتجف كما يجف الضرع ؛ ولذا ، فهي تحتاج إلى تجلية وري ، يزيلان عنها الأصداء والظمأ ، والمرء في هذه الحياة ، محاط بالأعداء من كل جانب ؛ نفسه الأمارة بالسوء ، تورده موارد الهلكة ، وكذا هواه وشيطانه ، فهو بحاجة ماسة ، إلى ما يحرزه ويؤمنه ، ويسكن مخاوفه ، ويطمئن قلبه . وإن من أكثر ما يزيل تلك الأدواء ، ويحرز من الأعداء ، ذكر الله والإكثار منه لخالقها ومعبودها ؛ فهو جلاء القلوب وصقالها ، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها .
قال ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك ، فكيف يكون السمك إذا فارق الماء ؟
عباد الله:
العلاقة بين العبد وبين ربه ليست محصورة في ساعة مناجاة في الصباح ، أو في المساء فحسب ، ثم ينطلق المرء بعدها ، في أرجاء الدنيا غافلا لاهيا ، يفعل ما يريد دون قيد ولا محكم ؛ كلا هذا تدين مغشوش ، العلاقة الحقة ، أن يذكر المرء ربه حيثما كان ، وأن يكون هذا الذكر مقيدا مسالكه بالأوامر والنواهي ، ومبشراً الإنسان بضعفه البشري ، ومعينا له على اللجوء إلى خالقه في كل ما يعتريه .
لقد حث الدين الحنيف ، على أن يتصل المسلم بربه ، ليحيا ضميره ، وتزكوا نفسه ، ويطهر قلبه ، ويستمد منه العون والتوفيق ؛ ولأجل هذا ، جاء في محكم التنزيل والسنة النبوية المطهرة ، ما يدعوا إلى الإكثار من ذكر الله عز وجل على كل حال ؛ فقال عز وجل: يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً [سورة الأحزاب:41-42] .
وقال سبحانه: والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا ًعظيماً [سورة الأحزاب:35] . وقال جل شأنه: واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون [سورة الأنفال:45] . وقال تعالى: فاذكروني أذكركم [سورة البقرة:152] . وقال سبحانه: ولذكر الله أكبر [سورة العنكبوت:45] .
وقال: (( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) )متفق عليه .
وقال: (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وذلك ما هو يا رسول الله ، قال:. ذكر الله عز وجل ) )رواه أحمد .
وقال: (( من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة ) )رواه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه .
عباد الله:
ذكر الله تعالى ، منزلة من منازل هذه الدار ، يتزود منها الأتقياء ، ويتجرون فيها ، وإليها دائما يترددون ، الذكر قوت القلوب الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا ، وعمارة الديار التي إذا تعطلت عنه صارت دورا بورا ، وهو السلاح الذي يقاتل به قطاع الطريق ، والماء الذي يطفأ به لهب الحريق .
بالذكر أيها المسلمون ، تُستدفع الآفات ، وتستكشف الكربات ، وتهون به على المصاب الملمات ، زين الله به ألسنة الذاكرين ، كما زين بالنور أبصار الناظرين .
فاللسان الغافل ، كالعين العمياء ، والأذن الصماء ، واليد الشلاء .
الذاكر الله ، لا تدنيه مشاعر الرغبة والرهبة من غير الله ، ولا تقلقه أعداد القلة والكثرة ، وتستوي عنده الخلوة والجلوة ، ولا تستخفه مآرب الحياة ودروبها .
ذكر الله عز وجل ، باب مفتوح بين العبد وبين ربه ، ما لم يغلقه العبد بغفلته .
قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة ، وفي الذكر ، وقراءة القرآن ، فإن وجدتم ، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق .
إن الذنوب كبائرها وصغائرها لا يمكن أن يرتكبها بنو آدم ، إلا في حال الغفلة والنسيان لذكر الله عز وجل ؛ لأن ذكر الله تعالى ، سبب للحياة الكاملة التي يتعذر معها أن يرمي صاحبها بنفسه في أتون الجحيم ، أو غضب وسخط الرب العظيم ، وعلى الضد من ذلك ، التارك للذكر ، والناسي له ، فهو ميت ، لا يبالي الشيطان أن يلقيه في أي مزبلة شاء .